حسن حردان- البناء

دخلت المواجهة الأميركية ـ الإيرانية نفقاً مسدوداً، حيث استُبدلت الحرب العسكرية، بالحصار البحري الخانق وتوقف الملاحة في أهمّ ممرات الطاقة العالمية. فبينما يراهن الرئيس الأميركي دونالد ترامب على أنّ “الحصار أكثر فعالية من القصف” لانتزاع استسلام كامل من طهران، تبرز في الأفق معضلة الزمن؛ فالمعركة اليوم لم تعُد تُقاس بالقدرة التدميرية للسلاح، بل بالقدرة على تحمّل الألم الاقتصادي.
وفيما تبدو طهران مستندة إلى إرث عقود من “هندسة الصمود” والتكيّف مع الحصار، يجد ترامب نفسه محاصراً بـ “نفَسه القصير” المتمثل في عداد أسعار الوقود وقلق الأسواق المالية في واشنطن. إنها مقامرة كبرى على حافة الهاوية، حيث تحاول إيران تحويل الحصار من “أداة إخضاع” داخلية إلى “أزمة وجودية” للنظام العالمي عبر خنق مضيق هرمز والتهديد بإغلاق باب المندب، واضعةً الإدارة الأميركية أمام اختبار قاسٍ: هل ينجح الحصار في كسر إرادة إيران، أم أنّ تداعياته العالمية ستكسر عناد ترامب أولاً؟
بعد أسابيع من العمليات الحرب العسكرية الأميركية الإسرائيلية المكثفة ضدّ إيران، والتي استهدفت البنية التحتية وفشلت في تحقيق أهدافها، انتقل الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى مرحلة “الحصار البحري الشامل” للموانئ الإيرانية. وفي تصريحه الأخير لموقع أكسيوس، كشف ترامب عن تحوّل استراتيجي في المواجهة مع إيران؛ حيث يرى أنّ “الحصار أكثر فعالية من القصف”، واصفاً وضع النظام الإيراني بأنه يواجه “خنقاً حتمياً”. هذا التوجه يعكس رغبة واشنطن في انتزاع “استسلام نووي” كامل دون الانزلاق إلى حرب برية استنزافية مكلفة وغير مضمونة النتائج، لا سيما بعد محاولة الانزال الفاشلة في أصفهان.
أولاً: رهان ترامب على الحصار لفرض شروط الاستسلام على إيران،
يتمحور رهان الإدارة الأميركية حول ثلاث نقاط أساسية:
رفض تجزئة ملفات التفاوض: رفض ترامب القاطع لعرض طهران بـ “تفكيك الملفات” (حلّ ملف الحرب والمضائق أولاً ثم النووي)، مُصرّاً على أنّ رفع الحصار مرهون بتفكيك كامل للبرنامج النووي.
سلاح الوقت: يراهن ترامب على أنّ حرمان إيران من تصدير نفطها سيؤدي إلى جفاف منابع السيولة، مما يجبر القيادة الإيرانية على الاختيار بين بقاء النظام أو التمسك بالمشروع النووي.
الضغط الداخلي: الرهانات الأميركية على أنّ الحصار سيولد انفجاراً اجتماعياً داخل إيران نتيجة التضخم وفقدان السلع الأساسية.
ثانياً: استراتيجية الردّ الايراني… الحصار المضاد،
لم تكتفِ طهران بالصمود السلبي، بل انتقلت لتنفيذ تهديدها بجعل الحصار “وبالاً” على الاقتصاد العالمي عبر:
خنق مضيق هرمز: استمرار إغلاق المضيق ونشر الألغام البحرية، مما أدى لقفزة في أسعار النفط (خام برنت) لتلامس 120 دولاراً.
التهديد بـ “باب المندب”: التنسيق مع حركة “أنصار الله” في اليمن لإغلاق باب المندب، وهو ما يعني شلّ حركة قناة السويس بالكامل. هذا التهديد يهدف لنقل “الألم الاقتصادي” من طهران إلى واشنطن وعواصم الغرب وجعل كلفته الاقتصادية وتداعياتها الاجتماعية في الداخل الأميركي كبيرة جداً لا يمكن احتمالها طويلاً.
ثالثاً: التحديات الناتجة عن سياسة الحصار المتبادل، والسيناريوات،
استمرار هذا “الحصار المتبادل” يفرض تحديات وجودية على النظام العالمي:
زلزال أسعار الطاقة: في حال إغلاق باب المندب وهرمز معاً، سيفقد العالم 25% من إمدادات النفط والغاز، مما قد يدفع الأسعار فوق 150 دولاراً، ويؤدي لركود تضخمي عالمي.
أزمة سلاسل الإمداد: تعطل الملاحة في البحر الأحمر سيزيد كلف الشحن بنسبة 300%، مما يرفع أسعار السلع الاستهلاكية في أميركا وأوروبا، وهو ما يضرب “الوتر الحساس” لترامب قبل الانتخابات.
مأزق القوة العسكرية: الحصار الأميركي يواجه معضلة؛ فإذا فشل في كسر الإرادة الإيرانية، سيضطر ترامب إما للتراجع (وفقدان هيبته) أو التصعيد نحو مواجهة شاملة يرفضها الشارع الأميركي، وجرى اختبارها ولن تكون النتائج أفضل.
رابعاً: الاحتمالات…
المعطيات تشير إلى أنّ إيران، التي اعتادت العيش في ظلّ العقوبات لعقود، تمتلك “نفساً طويلاً” وقدرة على امتصاص الصدمات، بينما ترامب محكوم بـ “عداد البنزين” في محطات الوقود الأميركية، ومجتمع لم يعتدْ على مواجهة وتحمل الصدمات الاجتماعية والحياة القاسية معيشياً… ولهذا فإنّ الاحتمالات هي:
فشل الرهان: إذا نجحت إيران في تدويل الأزمة وجعل العالم “يصرخ” من أسعار الطاقة، سيفقد الحصار فاعليته كأداة ضغط سياسي.
المخرج الممكن: في هذه الحالة قد يضطر ترامب، بوصفه “رجل صفقات”، للنزول عن الشجرة وقبول “تسوية منقوصة” تتضمّن فتح المضائق مقابل رفع جزئي للحصار، مع ترحيل الملف النووي الشائك لمفاوضات لاحقة.
من هنا فإنّ الحصار الأميركي لم يعد شأناً ثنائياً، بل تحوّل إلى “رهينة جيوسياسية” بيد طهران. فإذا نفذت تهديدها في باب المندب، فإنها ستحوّل الحصار من “وسيلة لإخضاعها” إلى “أداة لتركيع الاقتصاد العالمي”، مما قد يجبر واشنطن على إعادة النظر في الرهان على استراتيجية الحصار لفرض شروطها، والبحث عن “صفقة ضرورة” تتجنب بها الكارثة الكبرى.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com