لم يعد المشهد في واشنطن يُقرأ ضمن خطوط مستقيمة أو قرارات مركزية صلبة، بل بات أقرب إلى ساحة اشتباك داخلي مفتوح، تتقاطع فيها الحسابات العسكرية مع الانقسامات السياسية والضغوط الاقتصادية، على وقع التصعيد المتسارع مع إيران. ما يظهر إلى العلن ليس سوى رأس جبل الجليد، فيما تدور في العمق صراعات نفوذ، وإعادة تشكيل لمراكز القرار، ومحاولات فرض إيقاع جديد على مؤسسات اعتادت تقاليد مختلفة في إدارة الحروب.
انقسامات في المؤسسة العسكرية
داخل المؤسسة العسكرية، تتكثف المؤشرات على تصدّع غير مسبوق في بنية القيادة. الحديث لم يعد مجرد تسريبات، بل تحوّل إلى وقائع متلاحقة من إقالات واستقالات تضرب صلب الهرم العسكري.
وزير البحرية الأمريكية جون فيلان يتحدث عن مبادرة الأسطول الذهبي الجديدة للبحرية الأمريكية
إبعاد وزير البحرية أو قائد البحرية الأمريكية جون فيلان بشكل مفاجئ، بعد يوم واحد فقط من ظهوره العلني، لم يكن تفصيلاً عابراً، بل رسالة واضحة بأن معيار البقاء لم يعد الخبرة أو التدرّج، بل مدى الانصياع الكامل لخطط التصعيد.
غياب أي تفسير رسمي من البنتاغونفتح الباب أمام تقديرات تتحدث عن إعادة هندسة القيادة البحرية بما يضمن تنفيذ حصار خانق على إيران دون تردد أو نقاش.
لكن ما هو أخطر من الإقالة بحد ذاتها، هو ما كُشف عن صدام مباشر بين فيلان ووزير الحرب بيت هيغسيث، الذي يُتهم داخل أروقة القرار برفضه الاستماع لأي رأي عسكري تقليدي، في سلوك يعكس انتقال القرار العسكري من المؤسسة إلى الفرد.
هذه المقاربة لم تتوقف عند هذا الحد، بل امتدت لتشمل رئيس أركان الجيش الجنرال راندي جورج، الذي أُقيل مطلع أبريل 2026، في خطوة وُصفت داخل بعض الدوائر بأنها جزء من “حملة تطهير” تستهدف كل من يعارض توسيع الحرب البرية أو يحذر من الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة مع إيران وحلفائها.
التقارير المسرّبة ترسم صورة أكثر قتامة: قادة عسكريون أبدوا تحفظات استراتيجية تم التعامل معهم كتمرد على القرار السياسي. وهنا تكمن العقدة الحقيقية: هل ما يجري إعادة ضبط للقيادة أم تفكيك ممنهج لعقل المؤسسة العسكرية؟
إقالة شخصيات مثل اللواء وليام غرين جونيور، والجنرال ديفيد هودني، في التوقيت ذاته، تعزز فرضية أن واشنطن تشهد إعادة تشكيل قسرية لمفاصل القرار العسكري، تُستبدل فيها الكفاءة بالولاء، والخبرة بالامتثال.
وفي موازاة ذلك، يبرز حدث بالغ الدلالة، استقالة جوزيف كينت، مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب، كأول مسؤول يخرج علناً من إدارة ترامب احتجاجاً على مسار الحرب.
تصريحاته لم تكن تقنية أو دبلوماسية، بل جاءت مباشرة وصادمة، بإعلانه أن “إيران لا تمثل تهديداً وشيكاً للولايات المتحدة، وأن الحرب دُفعت بضغوط خارجية في إشارة إلى إسرائيل”.
هذا الموقف يكشف أن الانقسام لم يعد محصوراً داخل البنتاغون، بل امتد إلى الأجهزة الأمنية الأكثر حساسية.
وفي خلفية هذا المشهد، يتحرك وزير الحرب بدعم مباشر من دونالد ترامب لإعادة تشكيل البنتاغون وفق عقيدة “الصدمة والردع الشامل”، عبر ضخ وجوه أكثر تشدداً واستعداداً لتنفيذ ضربات عسكرية بلا قيود، بالتوازي مع تعيين كاش باتيل على رأس الـFBI لضبط الجبهة الداخلية ومنع أي ارتدادات أمنية أو سياسية معارضة.
مؤسسات القرار السياسي
المشهد لا يقل اشتعالاً، داخل الكونغرس
أما في المضمار السياسي، فلا يقل المشهد اشتعالاً، داخل الكونغرس ومجلس الشيوخ، تتفكك الاصطفافات التقليدية، وتظهر خطوط تماس جديدة تتجاوز الانقسام الحزبي الكلاسيكي.
الجدل لم يعد نظرياً، بل يطال جوهر النظام، من يملك قرار الحرب؟ إلى أي حد يمكن للرئيس تجاوز الكونغرس؟ وكيف تُموَّل حرب قد تفتح أبواب استنزاف طويل؟ الأخطر أن بعض الجمهوريين بدأوا يلتقون مع الديمقراطيين في نقاط حساسة، ما يعكس تصدّعاً داخل القاعدة السياسية الداعمة للإدارة نفسها.
ضغوط اقتصادية وتداعياتها
اقتصادياً، يدخل عامل الضغط كقوة كابحة لا يمكن تجاهلها. أي مواجهة واسعة مع إيران تعني عملياً زلزالاً في أسواق الطاقة، وارتفاعاً حاداً في معدلات التضخم، واهتزازاً في الاستقرار المالي الأمريكي.
هذه المعادلة تفرض نفسها بقوة داخل دوائر القرار، وتدفع باتجاه إعادة حسابات دقيقة بين كلفة الحرب ومردودها، خصوصاً في ظل اقتصاد عالمي هش.
الآثار على الحلفاء وإعادة التموضع
ما يزيد المشهد تعقيداً، هو التراجع الواضح في مستوى التماهي الدولي مع السياسات الأمريكية. الحلفاء لم يعودوا كتلة صماء، ففي أوروبا، تتقدّم الحسابات الاقتصادية الداخلية على الالتزام الأعمى بالسياسات الأمريكية، خاصة في ظل تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية.
الاتحاد الأوروبي يواجه ضغوطاً مزدوجة، أمنية من الشرق، واقتصادية من الداخل، ما يجعله أقل اندفاعاً خلف أي مغامرة عسكرية جديدة كما سابق عهده بمجاراته ودعمه لحروب الولايات المتحدة.
أما داخل حلف الناتو، فالتماسك لا يزال قائماً شكلياً، لكنه يخفي تباينات عميقة حول تقاسم الأعباء وتحديد الأولويات. أي توسّع في النزاع قد يكشف هشاشة هذا التماسك ويضع الحلف أمام اختبار وجودي.
أما الحلفاء الخليجيون، فتتبلور لديهم مقاربة مختلفة تماماً، براغماتية عالية، ورغبة بتنويع الشراكات، وابتعاد محسوب عن الانخراط الكامل في أي محور.
هذه الدول تقرأ التحولات الدولية بواقعية أكثر ربما بعد تعرضها لصواريخ إيران بشكل مباشر، لذا فهي تسعى لحماية استقرارها الداخلي بعيداً عن رهانات كبرى غير مضمونة النتائج.
كل هذه المؤشرات تقود إلى خلاصة واحدة، الولايات المتحدة لا تتحرك اليوم كقوة أحادية القرار، بل كمنظومة تعاني من احتكاك داخلي حاد بين مؤسساتها.
القرار لم يعد يُصنع في غرفة واحدة، بل يُنتج عبر صراع مراكز قوى، لكل منها حساباته ومخاوفه وأجندته، كل هذا دون أن نقترب من الشارع الأمريكي الذي هو بالأساس بات يغلي نتيجة سياسات إدارة ترامب.
واشنطن لا تزال لاعباً محورياً، هذا صحيح، لكن هامش حركتها يضيق تحت ضغط التوازنات الجديدة، داخلياً وخارجياً. وأي خطوة نحو التصعيد مع إيران لن تكون مجرد قرار عسكري، بل نتيجة تسوية معقدة بين جنرالات متحفظين، وسياسيين منقسمين، واقتصاد يرفع البطاقة الحمراء، وحلفاء لم يعودوا كما كانوا.
في هذا المشهد، لا تُقاس قوة القرار بحدّته، بل بقدرته على الصمود داخل هذا الحقل الملغوم من التناقضات.