خاص مركز بيروت للأخبار

دخلت الحرب الأمريكية–الإيرانية مرحلة من الضبابية السياسية والعملياتية، رافقها تصعيد في الخطاب الصادر عن مسؤولين أمريكيين يزعمون “السيطرة الكاملة”، “التفوّق الجوي”، و”شلّ القدرات الإيرانية”. لكن مراجعة دقيقة لتصريحاتهم المتناقضة، إضافة إلى تقارير من وسائل إعلام أمريكية كـنيويورك تايمز، واشنطن بوست، وول ستريت جورنال، ومراكز دراسات دفاعية أمريكية، تُظهر حجم الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع العسكري على الأرض.

فالولايات المتحدة، رغم امتلاكها أكبر قوة جوية في العالم، فشلت تاريخياً في السيطرة على أجواء خصومها بالكامل (كما في العراق 2003، أفغانستان، لبنان 1983، اليمن 2024). كما أن الجيش الأمريكي نفسه اعترف مراراً بأن التهديد الصاروخي الإيراني يمثل معضلة لا حلّ سحرياً لها.

الادعاءات العسكرية الأميركية مقابل الواقع الميداني

في المواقف الرسمية منذ اندلاع النزاع، كررت الإدارة الأمركية ادعاءات قوية حول السيطرة على الأجواء الإيرانية وشلّ القدرات الإيرانية بالكامل، مع تأكيدات بأن الحرب ستكون سريعة ومحدودة.
والمفارقة أن هذه التصريحات غالباً تضاربت مع المؤشرات الواقعية على الأرض وما نشرته وسائل الإعلام الأمريكية والدولية.

مثلاً، أعلن مسؤول أمريكي أن القوات الأمريكية والإسرائيلية تسيطران على أجواء إيران تقريباً، وأن الهجوم الجوي أدى إلى “تدمير دفاعاتها الصاروخية”. مع ذلك، لا يُظهر الواقع أي دليل مستقل موثق على تجاوز الدفاعات الجوية الإيرانية بالكامل أو انسحاب القوات الإيرانية كما زُعم. بل بالعكس، استمرت إيران في ردّها بالصواريخ والطائرات المسيرة على قواعد أمريكية وحلفاء في المنطقة.

هذا التناقض بين الادعاء والواقع يؤكد أن ما يُسوق كـ “سيطرة شاملة” هو في الحقيقة رواية سياسية مُحسّنة، لا تتماشى مع ما يراه المراقبون والمحللون العسكريون. ويؤكّد ذلك ما تظهره تقارير الأخبار حول استمرار الهجمات المضادة الإيرانية وعدم توقفها.

إشكالية الزمن العسكري: وعود سريعة وواقع ممتد

في الأيام الأولى من التصعيد، قال الرئيس الأمريكي إنه يعتقد أن الحرب ستستغرق أسابيع قليلة. لكن في غضون أيام، بدا أن الإدارة الأمريكية نفسها تتراجع عن تقديراتها الزمنية، مع اعترافات بمزيد من العمليات وبدء الحديث عن موجات جديدة من الضربات القادمة.

هذا يشبه ما أشار إليه تقرير مهم نشرته صحيفة الغارديان موضحاً أن تقديرات واشنطن بشأن مدة الحرب وتصعيدها متضاربة وغير مدروسة بشكل واضح، وأن الغاية من العملية العسكرية لم تُوضح بشكل استراتيجي محدد، وهو ما يمثل مؤشراً إضافياً على افتقار الإدارة الأمريكية إلى خطة مدروسة أو هدف نهائي.

هذه التناقضات تعكس فجوة بين الخطاب السياسي الذي يروج للنصر السريع وبين الواقع الميداني الذي يتطلب وقتاً أطول وجهداً أكبر.

خسائر أمريكية وتدهور في الموارد العسكرية

لم تصرح واشنطن بخسائرها البشرية والمادية حتى الآن فيما تذهب تقارير إلى أرقام مخيفة عن هذه الخسائر التي تحاول إخفائها عن الأمريكيين والعالم
لم تصرح واشنطن بخسائرها البشرية والمادية حتى الآن فيما تذهب تقارير إلى أرقام مخيفة عن هذه الخسائر
التي تحاول إخفائها عن الأمريكيين والعالم

أعلن الإعلام الأمريكي الرسمي أن العمليات العسكرية الأمريكية دفعت بالفعل إلى خسائر بشرية في صفوف القوات الأمريكية، مع ارتفاع عدد القتلى، واصفين هجمات إيران بأنها أسفرت عن مقتل جنود أمريكيين منذ بداية العمليات.

كما نشر برنامج “واشنطن بوست” للتحقيق الأمني تقريراً عن استنزاف الذخائر الدقيقة وأنظمة الدفاع الجوي المتقدمة، مما دفع قيادة الجيش الأمريكي إلى إعادة تقييم استراتيجيتها بسبب ارتفاع معدلات الاستهلاك (مثل منظومات Patriot و THAAD وصواريخ Tomahawk) مقارنة بالاحتياطيات المتاحة. وهذا يتناقض مع تصريحات الإدارة الأمريكية التي تؤكد أن لديها مخزوناً كافياً طويل الأمد.

هذا يشير إلى أن الانتهاء من عملية عسكرية سريعة أو “التحكم الكامل في الوضع” ليس واقعاً موجوداً اليوم، بل هدفاً بعيد المنال.

تصريحات رسمية متضاربة داخل الولايات المتحدة نفسها

لاقت تصريحات الإدارة الأمريكية اتهامات من داخل الطبقة السياسية نفسها بأنها قرارات غير مدروسة، وعسكرة بلا هدف واضح. فقد ذكر قادة من الحزب الديمقراطي في الكونغرس أن الحرب تُعتبر “حرب ترامب” بمعنى أنها اختيارية، بلا استراتيجية واضحة أو هدف نهائي، وأن تلك السياسة العسكرية لا تحظى بدعم واضح داخل المؤسسة السياسية الأمريكية.

كذلك، كشف مسؤول أمريكي أن الجيش الأمريكي شن حملته العسكرية “استباقياً” بعد ما عرف بأن إسرائيل يمكن أن تنفذ هجوماً، مما يطرح تساؤلات حول ما إذا كانت الولايات المتحدة تتصرف بناءً على معلوماتها الخاصة أو ردود فعل لحملة إسرائيلية، وهو ما يُظهر محدودية السيطرة والتخطيط الاستراتيجي المستقل.

المعركة الإعلامية: تضليل مقابل تساؤلات الصحافة الرسمية

حتى داخل الإعلام الأمريكي، ظهر حِمل على التغطية النقدية لخطابات ترامب المتعلقة بالحرب، حيث اعتُبرت بعض التصريحات مبالغة أو غير دقيقة. ففي تغطية لقناة الجزيرة ميديا انستات ورد أن الإعلام الأمريكي يجد صعوبة في تغطية تصريحات الزعماء حول الحرب، وأن هناك تشكيكاً متزايداً في الدقة والمصطلحات المبالغ فيها.

من اليوم الأول للحرب، ظهر تباين كبير بين التصريحات الرسمية والحقائق الميدانية، كما سنبيّنه في المحاور التالية:

تناقضات في تصريحات القادة الأمريكيين:

أ. السيطرة الجوية المزعومة

في 3 مارس 2026 صرّح السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة بأن إسرائيل والولايات المتحدة “يسيطران تقريباً على الأجواء الإيرانية”، وهو تصريح يُروّج لفكرة التفوق الكامل.

لكن هذا التصريح لا يأتي من مصدر رسمي أمريكي مباشرة، ويُظهر الواقع أن:

  • إيران ما زالت تشن هجمات صاروخية ومسيرات على قواعد أمريكية وحلفاء في المنطقة، وهو ما يدل على أن الدفاعات الجوية الإيرانية لم تُشل بالكامل ولم يتم التحكم بالأجواء كما زُعم.

ب. تصريحات بيتر بيريان هيغسيث (وزير الحرب الأمريكي)

وزير الحرب الأمريكي لازال يمارس بروباغندا الخداع والتضليل غاضاً الطرف عن أرقام الميدان الحقيقية ووقائعه
وزير الحرب الأمريكي لازال يمارس بروباغندا الخداع والتضليل غاضاً الطرف عن أرقام الميدان الحقيقية ووقائعه

وفق تغطية لصحيفة الغارديان البريطانية، صرح وزير الحرب الأمريكي بيتر هيغسيث بأن القوات الأمريكية والإسرائيلية ستحقق التحكم الكامل في الأجواء الإيرانية في أقل من أسبوع”.

لكن حتى بعد اليوم الخامس من الحرب، لم تظهر أي دلائل مستقلة مُحقَّقة تثبت “تحكّمًا كاملاً” في الأجواء. بل ظهرت تقارير عن:

  • استمرار إطلاق الصواريخ والمسيرات الإيرانية.

  • اعتراضات على قواعد أمريكية ومحو عدد منها من الخارطة إضافة إلى مواقع إقليمية.

  • استمرار إيران في ردها الهجومي بكافة أنواع الصواريخ.

بمعنى آخر، التصريح يُصوّر قدرات غير مثبتة في الواقع الميداني.

ج. تصريحات دونالد ترامب

ورد في تغطيات إخبارية عدة تصريحات من الرئيس ترامب مثل أنه تم إضعاف إيران بشكل كبير، وأنها قد تكون”‘مختطفة” أو قريبة من الاستسلام”.

لكن وقائع الصراع تُظهر عكس ذلك:

  • إيران لم تُعلن الاستسلام أو تتراجع عن عمليتها الهجومية بل الوقائع تثبت انخراطها بشكل دراماتيكي في الحرب ويبدو أنها حضرت لها بشكل جيد.

  • هجمات منظّمة لمواقع أمريكية وحلفاء لا تزال مستمرة دون توقف.

  • الطيران التجاري يتأثر، والولايات المتحدة تضطر لإجلاء مواطنيها والسفن تنتظر في مضيق هرمز ناهيك عن وقف صادرات النفط والغاز وارتفاعه بشكل جنوني في أوربا وأمريكا.

وبالتالي فإن ادّعاء “الاستسلام الإيراني القريب” ليس له سند واقعي حتى الآن.

2. مقتل جنود أمريكيين — دليل على الخسائر الواقعية

واشنطن كعادتها ترفض الإدلاء بأرقام حقيقية عن قتلاها كما في كل حرب
واشنطن كعادتها ترفض الإدلاء بأرقام حقيقية عن قتلاها كما في كل حرب

كان من ضمن ادعاءات بعض المسؤولين الأمريكيين أن العمليات ستكون محدودة وغير مكلفة في الأرواح الأمريكية. لكن:

  • أعلن البنتاغون عن مقتل أول الجنود الأمريكيين في الحرب في 3 مارس 2026 جراء هجوم بصاروخ على منشأة أمريكية في الكويت.

ووفق تقارير صحيفة الغارديان البريطانية، وصل العدد إلى ستة جنود أمريكيين قتلى في الأيام الأولى من الحرب، مع وقوع حوادث صديقة أُشير إليها في نفس التغطية وهي أرقام مخفضة لأسباب سياسية ونفسية وحتى اجتماعية وعقائدية.

هذه الخسائر تتناقض مع التصريحات الرسمية التي روجت لفكرة أن الأمريكيين في “مكان آمن” ولن يتكبدوا خسائر بشرية كبيرة.

3- استنزاف الذخائر وتأثيرات النقص

تصريحات بعض المسؤولين الأمريكيين كانت تتضمن أن مخزونات الذخيرة كافية، وأن الاستمرار في العمليات لا يُشكل ضغطاً على الموارد. لكن تقارير تحليلية حديثة تكشف عكس ذلك:

  • وفق صحيفة واشنطن بوست، التحالف الأمريكي – الإسرائيلي قد استهلك معدلاً عالياً من الذخائر الموجهة واعتراض الصواريخ منذ بداية العمليات، ما دفع “البنتاغون” إلى التحذير من “استنزاف مخزون الصواريخ الدقيقة وأنظمة الدفاع المتقدمة”.

  • شبكة سي ان ان، نقلت عن مسؤولين أمريكيين قولهم إن مخزون صواريخ توماهوك الاعتراضية الأمريكية يتناقص، وأن هذا يشكل ضغطاً على القدرات العملياتية.

  • تقرير لايف مينيت نقل تحذيرات من أن مخزونات الصواريخ قد تنضب إذا استمرت الحرب أكثر من فترة قصيرة (10 أيام مثلاً).

كذلك لاحظت تقارير أن بعض الدول، مثل قطر، لديها مخزون محدود من صواريخ اعتراضية يمكن أن يدوم لأيام قليلة فقط في ظل وتيرة الهجمات الحالية، مما يدل على الضغط ذاته على القدرات الدفاعية.

4- النتائج الميدانية: هجمات إيرانية رغم الضربات

من المفارقات البارزة أن إيران، رغم الضربات الجوية الأمريكية – الإسرائيلية:

  • استمرت في إطلاق مئات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة نحو قواعد أمريكية ومواقع حلفاء (إسرائيل، دول الخليج).

  • استهدفت مواقع دفاعية وأحياناً حققت إصابات، وهو ما يدل على أن القدرات الإيرانية لم تُشل كما يقال.

  • أصبحت الدفاعات الإيرانية تتبع تكتيك “إغراق الدفاعات” الذي يعتمد على إطلاق دفعات متلاحقة من الصواريخ بهدف استنزاف منظومات الاعتراض، وهو أمر أشار له محللون عسكريون في تقارير إخبارية دولية.

وبحسب صور الأقمار الصناعية والتحليل الإعلامي، فإن الهجمات الإيرانية لم تتوقف ولم تتقلص بشكل كبير حتى بعد الضربات العنيفة التي طالت عدة مواقع إيرانية.

5- هل سقطت أهداف مدنية؟

بعض التغطيات الإعلامية الدولية تشير إلى أن الضربات قد طالت مناطق مأهولة، وتسببت في سقوط قتلى مدنيين (على سبيل المثال أبلغت وكالة الهلال الأحمر‏ الإيرانية أن الهجمات قتلت المئات على الأقل).

لا توجد معلومات مستقلة بعد تؤكد أو تنفي كل هذه الأرقام، لكن التغطية الإعلامية نفسها هي دليل على أن الضربات لم تقتصر على أهداف عسكرية واضحة، مما يثير تساؤلات حول دقة الاستهداف في الحرب.

رغم تحقيق لقناة الجزيرة عن مدرسة ميناب للفتيات الذي أجرته وأثبتت فيه أن واشنطن وتل أبيب كانتا تعلمان أن هذه مدرسة للتلميذات ورغم ذلك عمدتا إلى استهدافها ما أودى بحياة أكثر من 150 طالبة إيرانية تتراوح أعمارهن ما بين 7-12 عاماً.

التكلفة الاقتصادية والحسابات

ويشير تقرير نشرته فوربس إلى أن الضربات الأمريكية – الإسرائيلية على إيران كلفت أكثر من مليار دولار في أول 48 ساعة فقط مما يدل على التكلفة العسكرية المادية الضخمة، وهو يتناقض مع التصريحات التي فضّلت أن “الأمر سيكون محدوداً فلا داعٍ للقلق”.

هذا غيض من فيض من تصريحات المسؤولين الأمريكيين إلا أنه في النهاية نصل إلى حقائق مفادها أن مسؤولي الولايات المتحدة وعلى رأسهم الرئيس دونالد ترامب يمارسون سيناريوهات الحرب النفسية وبروباغندا التضليل السياسي والإعلامي المتعمد على شعبهم أولاً وباقي شعوب المنطقة ولا سيما بعد تحذيرات قبيل بدء الحرب على إيران من أن هذه الحرب قد تكسر هيبة الولايات المتحدة كأكبر قوة عسكرية في العالم وقد تجعلها تغادر الشرق الأوسط إلى غير رجعة.

وفي المحصلة ستتأكد أن الخطاب الأمريكي الرسمي مبالغ فيه ومتناقض مع الأدلة الميدانية:

  • لم تتحقق السيطرة الكاملة على الأجواء كما زُعم.

  • إيران لا تزال ترد بصواريخ ومسيرات رغم الضربات القوية.

  • الجيش الأمريكي تكبد خسائر بشرية (قتل جنود) في وقت مبكر من الحرب.

  • مخزون الذخائر وأنظمة الدفاع بات تحت ضغط حقيقي والاحتياطيات تنخفض.

  • الهجمات الإيرانية استمرت، بل في بعض الحالات كثّفتها.

  • التكلفة الاقتصادية والعسكرية فاقت ما قدّرته الإدارة الأمريكية في تصريحاتها الرسمية.

  • هناك تقارير تشير إلى استهداف مناطق مدنية ما يفتح باب التساؤل حول دقة الاستهداف.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com