سياسي- إيران- وكالات

وجّه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي رسالة شديدة اللهجة إلى الأمين العام للأمم المتحدة وأعضاء مجلس الأمن الدولي طالب فيها بتحرك عاجل وملموس ضد الهجمات التي استهدفت منشآت نووية “سلمية” داخل إيران.

وأدان عراقجي هذه الاعتداءات معتبراً إياها انتهاكاً صريحاً لميثاق الأمم المتحدة وللنظام الأساسي للوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وأكد أنها ترتقي إلى مستوى “جرائم الحرب” التي تهدد الأمن والسلم الدوليين مشيراً إلى أن الهجمات على منشأتي نطنز وبوشهر تُعد تجاوزاً خطيراً للقانون الدولي الآمر الذي يحظر استهداف المنشآت النووية المدنية لأي دولة.

كما حذّر من أن استمرار هذه العمليات قد يؤدي إلى تسرب إشعاعي واسع النطاق يعرّض حياة ملايين المدنيين للخطر ويترك آثاراً بيئية كارثية تمتد لسنوات طويلة.

وشدد عراقجي على أن الصمت الدولي يشجع المعتدين على تكرار جرائمهم، وأن المطلوب ليس بيانات تنديد بل إجراءات عملية مؤكداً أن إيران ستحتفظ بحق الردّ في الوقت والطريقة التي تراها مناسبة وفقاً للقانون الدولي.

ووفق المعلومات التي نشرتها وسائل الإعلام الإيرانية، فقد تعرّضت منشأة نطنز أمس لهجوم جديد يُرجَّح أنه أمريكي – إسرائيلي، مما يجعلها ثالث عملية تُسجّل خلال فترة الحرب الحالية.

وتُظهر الفحوصات الأولية أن الهجوم استهدف مجمع “الشهيد أحمدي روشن” المخصص لتخصيب اليورانيوم، في محاولة لتعطيل قدرات إيران النووية وتوجيه رسالة ضغط سياسية.

الهجوم الأمريكي الإسرائيلي الذي استهدف مجمع الشهيد أحمدي روشن
الهجوم الأمريكي الإسرائيلي الذي استهدف مجمع الشهيد أحمدي روشن

كما أوضحت التقارير أن منشأة بوشهر تعرضت أيضاً لسقوط مقذوف في مربعها الأمني الخارجي، لتتّسع دائرة الاستهداف إلى مرافق أوسع من السابق.

وتُبيّن صور التقييم أن الهجوم جاء ضمن سلسلة عمليات دقيقة، ربما اعتمدت على تكنولوجيا متقدمة أو طائرات مسيّرة مموهة. ورغم ذلك، أكدت فرق الطوارئ التقنية أنه لم يتم تسجيل أي تسرب إشعاعي، وأن أنظمة الاحتواء صمدت أمام الهجوم.

وتعتبر طهران أن هذه الاعتداءات جزء من حرب مركبة تستهدف قدراتها الاستراتيجية وحقها المشروع في التكنولوجيا النووية السلمية.

بدورها، أكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أنها تلقت بلاغاً رسمياً من إيران حول الهجوم الأخير على نطنز وأنها “تنظر بجدية” في حيثياته. مشيرة إلى أنه لم يجر تسجيل أي زيادة في مستويات الإشعاع حول المنشأة، ما يعني أن البنية الأساسية للسلامة النووية بقيت مستقرة رغم قوة الضربة.

كما ذكّرت الوكالة بأنها كانت قد رصدت في مارس/آذار الماضي أضراراً حديثة في مبانٍ تشكّل الممر الرئيسي إلى منشأة تخصيب الوقود تحت الأرض، وهو ما اعتُبر أول دليل تقني على تعرض الموقع لهجمات متكررة. ووفق الوكالة، فإن الهجوم الذي أصاب محيط محطة بوشهر النووية لم يسفر عن إصابات بين العاملين، ولم يؤدّ إلى أي تغيّر في مستويات الأمان.

وأكد المدير العام للوكالة أن استمرار العمليات العسكرية حول منشآت نووية “يمثل خطراً غير مقبول” مضيفاً أن مثل هذه الاعتداءات قد تتسبب بكارثة نووية لا يمكن السيطرة عليها في ظل أي تصعيد.

وأثارت الهجمات ردود فعل دولية واسعة، حيث دانت الخارجية الروسية عبر المتحدثة ماريا زاخاروفا الاعتداء واعتبرته انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي.

المتحدثة ماريا زاخاروفا اعتبرت الهجوم الأمريكي الإسرائيلي انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي
المتحدثة ماريا زاخاروفا اعتبرت الهجوم الأمريكي الإسرائيلي انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي

وأكدت موسكو أن استهداف منشآت نووية مدنية لدولة عضو في الأمم المتحدة يشكل سلوكاً متهوراً يهدد الاستقرار الإقليمي.

كما أشارت شركة “روسآتوم” المشغّلة للتكنولوجيا النووية الروسية في بوشهر إلى أن مستويات الإشعاع حول المحطة طبيعية تماماً.

وفي السياق ذاته، أكدت عواصم أوروبية أن الهجمات يجب أن لا تمر من دون مساءلة، وأن استهداف منشآت نووية بأي ذريعة هو تجاوز خطير للخطوط الحمراء.

وعبّر خبراء في الأمن النووي عن خشيتهم من أن يؤدي استمرار هذه الضربات إلى انهيار منظومة الأمان النووي الدولية التي قامت بعد حوادث كبرى مثل تشيرنوبيل وفوكوشيما.

وتأتي هذه الإدانة لتفتح نقاشاً أوسع حول ضرورة حماية المنشآت النووية، خصوصاً في مناطق النزاعات.

ويرى مختصون في القانون الدولي أن الهجمات الأمريكية – الإسرائيلية تمثل انتهاكاً متعدد الجوانب، بدءاً من ميثاق الأمم المتحدة ووصولاً إلى معاهدة منع الانتشار النووي.

وبحسب نص رسالة عراقجي، فإن على واشنطن وتل أبيب “تحمل المسؤولية القانونية الكاملة” عن كل الأضرار ودفع التعويضات اللازمة.

وتعتبر إيران أن استهداف منشآتها النووية يندرج ضمن سياسة الضغط القصوى التي تحاول واشنطن التمسك بها رغم فشلها في السنوات الماضية.

مشاهد للقصف الأمريكي الإسرائيلي على أطراف منشأة بوشهر النووية السلمية
مشاهد للقصف الأمريكي الإسرائيلي على أطراف منشأة بوشهر النووية السلمية

كما تطالب طهران بإلزام “إسرائيل” بالانضمام إلى معاهدة NPT ووضع منشآتها النووية غير الخاضعة للرقابة الدولية تحت إشراف الوكالة.

ويرى محللون أن هذا المطلب الإيراني قد يجد دعماً متزايداً مع تصاعد المخاوف الدولية من امتلاك “إسرائيل” لبرنامج نووي غير معلن فيما يشير خبراء آخرون إلى أن الاعتداءات الأخيرة تشكّل سابقة خطيرة تهدد بتقويض الاتفاقيات التي تنظّم الأمن النووي العالمي.

وتكشف سلسلة الهجمات، بحسب مراقبين، عن محاولة لاستثمار الضغط العسكري لإجبار إيران على التراجع عن قدراتها التقنية المتقدمة، غير أن البيانات الإيرانية الرسمية تؤكد أن البلاد ماضية في تطوير برنامجها النووي السلمي تحت رقابة الوكالة الدولية.

ويرى محللون أن ردّ إيران السياسي والقانوني يشير إلى مرحلة جديدة من التعامل مع الاعتداءات، تقوم على تدويل القضية بدلاً من الاكتفاء بالرد الميداني.

كما تتوقع مصادر دبلوماسية أن تشهد أروقة الأمم المتحدة نقاشات مكثفة خلال الأيام المقبلة حول إدراج الهجمات ضمن جدول أعمال مجلس الأمن.

وتعتبر طهران أن صمت المجلس أمام الهجمات السابقة شجع المعتدين على تكرارها، وأن الوقت قد حان لتطبيق القانون الدولي لا الاكتفاء بتلاوة النصوص.

ويعتقد خبراء في الشأن الإيراني أن المرحلة المقبلة ستشهد رفع مستوى التأهب والرقابة على المنشآت الاستراتيجية بالتوازي مع تحرّك قانوني دولي واسع.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com