خاص مركز بيروت للأخبار

بقلم: مبارك بيضون

لم تكن الأيام الماضية مجرد استنزاف متبادل، بل كانت عملية “إعادة ضبط” استراتيجية لمحركات القوة لدى المقاومة. اليوم، يتحدث الميدان لغةً مغايرة، لغة استعادة السيطرة الكاملة وتوجيه ضربات “جراحية” أطاحت بفرضيات التفوق التقني الإسرائيلي، وأعادت خلط الأوراق السياسية من بيروت إلى واشنطن.

فعلى المستوى الداخل اللبناني، يبدو أن العمليات العسكرية الأخيرة بدأت تسهم في تغيير جزء من المشهد القائم في الوقت الراهن، سواء على المستوى الميداني أو على مستوى التوازنات الداخلية.

وخلال أيام من المواجهة، تؤكد المعطيات الميدانية أن المقاومة تمكنت إلى حدّ كبير من تجاوز ما تعرضت له على المستوى العسكري، من خلال إعادة تنظيم قدراتها وإدارة المعركة على امتداد خطوط المواجهة من الناقورة غرباً حتى مزارع شبعا شرقاً. ويعكس هذا الواقع قدرة على تشغيل مختلف الوحدات والتشكيلات العسكرية، البرية والصاروخية، بكفاءة عملياتية مرتفعة.

حين يتحدث الميدان: المقاومة تستعيد زمام المبادرة وتفرض معادلة الاستنزاففقد أبدت المقاومة كفاءة غير مسبوقة في تشغيل مختلف الوحدات، وتحديداً التشكيلات البرية والصاروخية، وهو ما شكّل عنصر مفاجأة صادم للجيش الإسرائيلي. فالمقاومة لم تكتفِ بالدفاع، بل انتقلت لاستهداف الآليات وتدمير الدبابات. بالتوازي مع سلاح المسيرات الانقضاضية الذي ضرب تجمعات العدو في المستوطنات المقابلة بدقة متناهية.

كل ذلك، أحدث صدمة لدى القوات الإسرائيلية المعتدية، خصوصاً فيما يُعرف بقرى الحافة الأمامية أو الخط الحدودي، حيث تمكنت المقاومة من استهداف آليات مدرعة وتدمير عدد من الدبابات على أكثر من محور، ولا سيما في رامية و كفركلا والخيام.

كما واصلت المقاومة إطلاق الصواريخ باتجاه مناطق واسعة في شمال فلسطين المحتلة، وصولاً إلى الجولان السوري المحتل، ما وسّع نطاق الضغط العسكري على الجبهة الشمالية لـ”إسرائيل”.

وفي ضوء هذه التطورات، لا يزال الجيش الإسرائيلي متحفظاً حيال التوغل البري العميق داخل القرى الحدودية في جنوب لبنان، رغم حشده ما يزيد على أربعين ألف جندي على امتداد الجبهة. ويقتصر نشاطه حتى الآن على ما يُعرف في العلوم العسكرية بـالاستطلاع الناري، أي تنفيذ ضربات محدودة لاختبار قدرات الخصم واستكشاف مواقعه.

حين يتحدث الميدان: المقاومة تستعيد زمام المبادرة وتفرض معادلة الاستنزاف

وعلى الصعيد السياسي، لا تبدو في الأفق حتى الآن أي مؤشرات واضحة على تسوية قريبة. فحالة الاستعصاء السياسي لا تزال قائمة، في ظل إصرار كل من تل أبيب وواشنطن على مواصلة العمليات العسكرية.

ورغم الحديث عن مبادرة فرنسية لتحريك المسار الدبلوماسي، فإن هذه الجهود لم تنجح حتى اللحظة في فتح مسارات تفاوضية جديدة، ما يجعل مختلف السيناريوهات مفتوحة على مزيد من التصعيد خلال المرحلة المقبلة.

حتى الآن، يبدو الميدان هو صاحب الكلمة الوحيد، فالمقاومة التي استعادت زمام المبادرة حوّلت الجغرافيا الحدودية إلى “منطقة محرمة” على مدرعات الاحتلال، وفرضت واقعاً لا يمكن تجاوزه في أي طاولة مفاوضات قادمة.

ومع استمرار التعنت السياسي الدولي، يبقى الميدان الأساس في أي تحولات مستقبلية قد ترسم حدود المرحلة المقبلة، بعد أن تجبر الجميع على الاعتراف بأن قواعد الاشتباك القديمة قد دُفنت تحت ركام الدبابات في كفركلا والخيام.

 

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com