كشفت دراسة أثرية حديثة عن وجود نظام رمزي منظم يعود إلى ما بين 43 ألفًا و34 ألف عام، ما يدفع بتاريخ التواصل الرمزي المعقد لدى الإنسان الحديث إلى ما قبل ظهور أنظمة الكتابة بآلاف السنين.
وتستند الدراسة إلى تحليل أكثر من 3 آلاف نقش محفور على 260 قطعة أثرية تعود إلى عصور ما قبل التاريخ، عُثر على العديد منها في كهوف منطقة شفابن يورا جنوب غربي ألمانيا، وهي منطقة تُعد من أهم مواقع الاكتشافات الأثرية المرتبطة ببدايات الإنسان العاقل في أوروبا.
اكتشافات من كهوف فوغل هيرد ووادي لونه
من بين أبرز اللقى الأثرية تمثال ماموث صغير اكتُشف في كهف فوغل هيرد بوادي لونه، إضافة إلى مزامير عظمية وأدوات منحوتة وتماثيل عاجية وقلادات ومنحوتات لحيوانات.
كما تضم المجموعة تماثيل هجينة تجمع بين الإنسان والحيوان، وهو ما يعكس مستوى متقدمًا من الخيال الرمزي والقدرة على التجريد.
وتحمل هذه القطع 22 رمزًا متكررًا، تشمل شقوقًا على شكل حرف V، وخطوطًا متوازية، وصلبانًا، ونقاطًا. ووفقًا لما نشرته صحيفة ديلي ميل البريطانية، فإن تكرار هذه الرموز لم يكن عشوائيًا، بل أظهر نمطًا منظمًا يمكن قياسه وتحليله إحصائيًا.
إقرأ أيضاً…هل سيجعل الذكاء الاصطناعي مستقبلنا بدون وظائف…؟ أم أن ذلك لا زال بعيداً…؟
نظام رمزي منظم لا مجرد زخارف
قالت عالمة الآثار إيفا دوتكيفيتش، المشاركة في إعداد الدراسة من متحف ما قبل التاريخ والتاريخ المبكر في برلين، إن هذه القطع تعود إلى عشرات آلاف السنين قبل ظهور أول أنظمة الكتابة المعروفة.
وأوضحت أن الباحثين لم يسعوا إلى فك المعاني الدقيقة للرموز، بل ركزوا على تحليل بنيتها وخصائصها القابلة للقياس، مثل التكرار، والكثافة، وتسلسل العلامات.
وأظهرت النتائج أن النقوش ليست زخارف عشوائية، بل تشكل نظامًا رمزيًا منظمًا. فقد تبيّن أن بعض القطع، خصوصًا التماثيل، تتمتع بما وصفه الباحثون بـ”كثافة معلومات” أعلى، إذ نُقشت عليها رموز أكثر في مساحة محددة مقارنة بالأدوات والمزامير والحلي.
ويشير ذلك إلى وجود تدرّج في استخدام الرموز بحسب وظيفة القطعة، ما يعكس وعيًا مقصودًا بكيفية تخزين المعلومات أو إيصالها.
تماثيل هجينة تعزز فرضية القصدية
من بين أبرز الاكتشافات الأخرى لوحة عاجية من كهف غايسنكلوسترله تُعرف باسم “المتعبد”، وتُظهر كائنًا هجينًا بين الأسد والإنسان.
كما يبرز تمثال “رجل الأسد” المكتشف في كهف هوهلنشتاين-شتادل، والذي يحمل شقوقًا متساوية التباعد على ذراعه.
إن تكرار العلامات ذاتها عبر قطع متعددة وفي مواقع مختلفة يعزز فرضية وجود نظام رمزي مقصود، وليس مجرد زخرفة فنية.
تخزين المعلومات قبل الكتابة
تشير الدراسة إلى أن البشر الذين استقروا في أوروبا خلال العصر الحجري القديم الأعلى امتلكوا قدرة متقدمة على التفكير الرمزي.
فالاستخدام المنهجي والمتكرر للعلامات يدل على وجود وسيلة لتخزين المعلومات ونقلها تتجاوز التواصل الشفهي، أشبه بشكل مبكر من “الذاكرة الخارجية”.
وقد قارن الباحثون الخصائص الإحصائية للنقوش بأنظمة الكتابة المسمارية البدائية في بلاد ما بين النهرين، ولاحظوا تشابهًا في البنية والتكرار وكثافة المعلومات.
ومن اللافت أن التحليل أظهر أن تسلسلات الرموز في العصر الحجري القديم لا تقل تعقيدًا، من الناحية الإحصائية، عن أقدم أشكال الكتابة المسمارية التي ظهرت قبل نحو 5400 عام.
هل كانت الرموز وسيلة للعد أو الطقوس؟
يرجّح الباحثون أن بعض العلامات ربما عكست أنماطًا موسمية أو دورات هجرة الحيوانات، خاصة في المجتمعات التي اعتمدت على الصيد.
كما قد تكون الأشكال الهجينة والأنماط المتكررة ذات دلالات دينية أو ثقافية، فيما يُحتمل أن الشقوق المنتظمة استُخدمت لأغراض العد أو التوثيق.
وكان الاعتقاد السائد طويلًا أن أول نظام كتابة نشأ في بلاد ما بين النهرين مع الكتابة المسمارية السومرية. إلا أن النتائج الجديدة تعيد تأريخ التواصل الرمزي المعقد إلى ما لا يقل عن 35 ألف عام، ما يفتح الباب أمام إعادة تقييم تطور القدرات المعرفية والثقافية لدى الإنسان العاقل المبكر.
منهجية علمية حديثة لتحليل الماضي
اعتمد الفريق البحثي على نماذج إحصائية وخوارزميات تصنيف لقياس بنية النقوش واتساقها ومحتواها المعلوماتي.
وقد أتاح هذا النهج العلمي تجاوز التفسيرات الحدسية التقليدية، وتقديم إطار كمي لدراسة الرموز ما قبل التاريخ.
ومع استمرار فهرسة هذه القطع وتحليلها، يأمل الباحثون في الكشف عن أنماط إضافية قد تسهم في فهم أعمق للحياة الرمزية للمجتمعات الأولى، وكيف مهّدت الطريق لظهور أنظمة الكتابة لاحقًا.
إعادة كتابة تاريخ التواصل البشري
تُعد هذه النتائج خطوة مهمة في إعادة رسم خريطة تطور التواصل البشري. فبدل النظر إلى الكتابة كنقطة انطلاق التفكير الرمزي المنظم، تشير الأدلة الجديدة إلى أن جذور هذا التفكير أقدم بكثير.
ورغم أن هذه النقوش لا تُعد كتابة بالمعنى الدقيق، فإنها تعكس مستوى من الاصطلاحية والقصدية يوازي أقدم محاولات تسجيل المعلومات في تاريخ البشرية.
ومع توظيف أدوات تحليل حديثة في علم الآثار، قد تكشف السنوات المقبلة عن مفاجآت أخرى تعيد صياغة فهمنا لبدايات الثقافة والرمزية لدى الإنسان.

