خاص مركز بيروت للأخبار

في قلب وسط بيروت التجاري، وبين الأبراج الحديثة والمحال والأسواق والمقاهي، تقف قبة حجرية صامتة لا يلتفت إليها كثيرون، رغم أنها تختصر ما يزيد على خمسة قرون من تاريخ العاصمة اللبنانية. إنها “زاوية ابن عراق الدمشقي“، آخر ما تبقى تقريباً من بيروت المملوكية القديمة، والشاهد الحجري الذي نجا من الحروب والهدم وتبدّل الأزمنة.

كثير من اللبنانيين والسياح يمرون قرب هذا المبنى يومياً، يلتقطون الصور أو يعبرون بمحاذاته من دون أن يعرفوا أن هذه الحجارة سبقت قيام دولة لبنان الكبير، ونجت من العثمانيين والانتداب الفرنسي والحرب الأهلية وحتى إعادة إعمار وسط العاصمة.

تعود الزاوية إلى أواخر العصر المملوكي، وتحديداً إلى بدايات القرن السادس عشر، حين شيّدها الشيخ والفقيه والمتصوف محمد بن علي المعروف بابن عراق الدمشقي، الذي قدم من دمشق واستقر في بيروت. وتشير الروايات التاريخية إلى أنه اختار هذا المكان لقربه من الموقع المنسوب للإمام عبد الرحمن الأوزاعي، أحد أبرز أعلام بيروت والعالم الإسلامي.

لكن المبنى الذي نشاهده اليوم ليس سوى جزء صغير مما كان قائماً في الماضي. فالزاوية لم تكن مجرد قبة حجرية أو غرفة عبادة، بل كانت تضم منزلاً ورباطاً ومدرسة دينية لتعليم القرآن والفقه، إضافة إلى غرف داخلية وأقواس وباحات كانت تشكل مركزاً دينياً واجتماعياً في تلك المرحلة.

 

المبنى الذي نشاهده اليوم ليس سوى جزء صغير مما كان قائماً في الماضي
المبنى الذي نشاهده اليوم ليس سوى جزء صغير مما كان قائماً في الماضي

ومع مرور الزمن، تعرّض المكان للإهمال والاندثار، حتى كاد يختفي بالكامل خلال الحرب الأهلية اللبنانية، حيث تحولت المنطقة المحيطة به إلى ركام. وتُظهر صور قديمة للزاوية أنها كانت شبه مدمّرة ومحاطة بالخراب، قبل أن يُتخذ القرار بالحفاظ عليها خلال مشروع إعادة إعمار وسط بيروت، لتتحول إلى معلم تراثي محفوظ وسط المدينة الحديثة.

المفارقة أن القبة الصغيرة تبدو اليوم غريبة وسط المشهد العمراني الجديد، كأنها قطعة منفصلة عن الزمن، أو رسالة من بيروت القديمة إلى بيروت المعاصرة. فهي تقف وسط الإسمنت والزجاج لتذكّر بأن هذه المدينة لم تبدأ مع الأبراج والمجمعات التجارية، بل سبقتها قرون من التاريخ والعلم والتصوف والحياة الثقافية.

وربما تكمن قيمة زاوية ابن عراق الدمشقي في أنها لا تمثل مجرد أثر معماري، بل ذاكرة مدينة كاملة. ففي مدينة تغيّرت ملامحها مرات لا تُحصى، بقيت هذه الحجارة القليلة تقاوم النسيان، شاهدة على بيروت التي سقطت مراراً ونهضت مراراً أخرى.

إنها ليست مجرد قبة أثرية في وسط بيروت… بل قلب قديم ما زال ينبض تحت المدينة الحديثة.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com