رصد إخباري – مركز بيروت للأخبار
على وقع تباين واضح داخل الحكومة حول ملف الزيادات الضريبية وآليات تمويل رواتب القطاع العام، عقد مجلس الوزراء جلسته في السراي الحكومي في بيروت اليوم، وسط مناخ مالي ضاغط واحتجاجات متصاعدة ترفض تحميل المواطنين أعباء إضافية. الجلسة التي سبقتها مواقف متناقضة بين وزراء في مقاربة التمويل، ولا سيما داخل الفريق الواحد، انتهت إلى تثبيت خيار تشديد الجباية ومكافحة التهرّب الضريبي والجمركي كمدخل أساسي لتعزيز إيرادات الخزينة، بدل الذهاب إلى فرض ضرائب جديدة في المرحلة الراهنة.
الاجتماع الذي انعقد برئاسة نواف سلام في مقر السراي الحكومي، خُصّص جانب منه لمناقشة سبل تحسين الإيرادات، في ظل أزمة مالية مزمنة تعاني منها الدولة اللبنانية منذ سنوات، وتفاقمت تداعياتها مع الانهيار النقدي وتراجع القدرة الشرائية وارتفاع نسب الفقر.
وأعلن وزير الإعلام بول مرقص مقررات الجلسة، موضحاً أن مجلس الوزراء درس جدول أعمال مؤلفاً من 29 بنداً، وأقرّ معظمها، مع تركيز خاص على البند الأول المتعلق بتحسين الإيرادات العامة.
وأشار إلى أن رئيس الحكومة شدّد في مستهل الجلسة على ضرورة مكافحة أي شكل من أشكال التهرّب الضريبي أو الجمركي، مؤكداً متابعته المباشرة لهذا الملف، ووجود إحالات إلى القضاء بحق مكلفين متخلّفين عن سداد الرسوم والضرائب، إضافة إلى تنفيذ إجراءات قانونية بحقهم.
الرسالة السياسية التي أرادت الحكومة إيصالها بدت واضحة، لا نية لفرض ضرائب جديدة في الوقت الحالي، لكن لا تساهل مع التهرب.
وبحسب ما نقل مرقص، فإن التوجه الحكومي يقوم على استعادة الحقوق الضائعة للخزينة قبل التفكير بأي إجراءات ضريبية إضافية قد تزيد الاحتقان الشعبي.
في هذا السياق، عرض وزير المالية ياسين جابر سلسلة إجراءات اتُّخذت داخل وزارة المالية لتعزيز التحصيل، ولا سيما فيما يتعلق بضرائب الدخل وضريبة القيمة المضافة.
وأكد، وفق ما ورد في المقررات، أن كل من يمتنع عن الدفع يُحال إلى القضاء، وتتحرك بحقه النيابة العامة المالية، في مسار تصاعدي يهدف إلى فرض هيبة الدولة واستعادة الانتظام المالي.
وكشف جابر عن اعتماد آلية ربط إلكتروني مع الجمارك تمنع المكلفين المتخلّفين عن التسديد من الاستيراد أو التصدير، ما أدى إلى دفع عدد من كبار المكلفين والشركات إلى تسديد المتأخرات والغرامات المتوجبة عليهم. هذه الخطوة، بحسب المعنيين، تشكّل ضغطاً مباشراً على المؤسسات التي تعتمد في أعمالها على العمليات التجارية الخارجية، ما يجعل الامتثال الضريبي شرطًا لمواصلة نشاطها.
كما أشار وزير المالية إلى أن تركيب أجهزة السكانر في الجمارك ساهم في الحد من التهرّب، عبر تشديد الرقابة على البضائع الداخلة والخارجة من المرافئ والمعابر.
ولفت إلى ارتفاع عدد المكلفين الذين صرّحوا إلكترونياً خلال السنتين الأخيرتين إلى أكثر من 727 ألف مكلف، بالتوازي مع تسهيل آليات الدفع الإلكتروني وتحديث الأنظمة المعلوماتية في وزارة المالية والدوائر العقارية.
هذه الأرقام تعكس، وفق القراءة الحكومية، توسعاً في القاعدة الضريبية وتحسناً نسبياً في الامتثال، غير أن خبراء اقتصاديين يرون أن التحدي لا يقتصر على زيادة عدد المصرّحين، بل يكمن في ضمان دقة التصاريح وقيمة التحصيل الفعلي مقارنة بحجم الاقتصاد غير المنظّم الذي لا يزال يستحوذ على نسبة كبيرة من النشاط الاقتصادي في البلاد.
ملف الأملاك البحرية شكّل بدوره محوراً أساسياً في النقاش. فقد عرض وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني الخطوات التمهيدية لإعداد دراسة شاملة حول التعديات على الأملاك البحرية، مشيراً إلى وجود مخالفات كبيرة لم تُحصّل الغرامات المتوجبة عنها حتى الآن.
وأوضح أن الوزارة تعمل على إعداد أرقام دقيقة ستُعرض في جلسة لاحقة على مجلس الوزراء لاتخاذ القرارات المناسبة.
الأملاك البحرية في لبنان تُعدّ من أكثر الملفات حساسية وإثارة للجدل، إذ ترتبط باستثمارات خاصة ومنشآت سياحية ومرافئ ومشاريع عقارية، بعضها قائم منذ عقود. وغالباً ما يُطرح هذا الملف في سياق البحث عن إيرادات إضافية للخزينة، وسط دعوات إلى تطبيق القانون بشكل عادل ومن دون استنسابية.
بدورها، عرضت وزيرة البيئة تمارا الزين الإجراءات المتخذة لتحصيل عائدات المقالع والكسارات، في إطار خطة تهدف إلى تنظيم هذا القطاع الذي لطالما شابته مخالفات بيئية ومالية.
ويُنظر إلى هذا الملف باعتباره مصدراً محتملاً لإيرادات إضافية، شرط ضبط التراخيص والرسوم المستحقة ومنع التعديات.
وأشار رئيس الحكومة إلى أن جلسات لاحقة ستُخصص لإقرار هذه الإجراءات بشكل نهائي، ما يعكس توجّهاً لتحويل ملفات كانت تُدار سابقاً بقرارات مجتزأة إلى خطط متكاملة ترتبط بالإصلاح المالي الأوسع.
إلى جانب الملف المالي، أقرّ مجلس الوزراء مشروع قانون لتحفيز الاستثمارات مقدّم من وزارة المالية، في محاولة لإرسال إشارة إيجابية إلى القطاع الخاص والمستثمرين.
كما أقرّ الاستراتيجية الوطنية لحقوق ودمج الأشخاص ذوي الإعاقة بناءً على طلب وزارة الشؤون الاجتماعية، في خطوة تُدرج ضمن المسار الاجتماعي الموازي للإجراءات المالية.
كذلك تم تشكيل لجنة مشتركة لإعداد خطة وطنية لترشيد استخدام الإنترنت وتطبيقاته للأطفال دون سن معينة، بناءً على طلب وزارة الإعلام، في إطار مواجهة تحديات رقمية متزايدة تتعلق بسلامة الأطفال وحمايتهم من المحتوى الضار.
في المقابل، أكد مرقص رداً على أسئلة الصحافيين أن التهديدات الإسرائيلية التي تحدث عنها وزير الخارجية يوسف رجّي لم تُبحث في جلسة مجلس الوزراء، وأن النقاش اقتصر حصرياً على جدول الأعمال المدرج. كما نفى أن يكون قد جرى بحث أي موضوع يتعلق بتعديل وزاري أو مقايضة بين تأجيل الانتخابات وتغيير وزراء.
أما فيما يتعلق بالانتخابات النيابية، فأكد أن الجلسة لم تتطرق إلى الاستعدادات الانتخابية، مشيراً إلى أن التركيز انصبّ على الجباية والإيرادات باعتبارها المدخل لتخفيف الضرائب مستقبلاً وتأمين رواتب القطاع العام ضمن حدود التوازن المالي.
وكان وزير الداخلية أحمد الحجار قد قال قبيل عقد الجلسة إنه “ارتفع احتمال حصول الانتخابات النيابية في موعدها وبلغ عدد المرشحين ٣٠ حتى مساء امس، والوزارة لم تتبلغ أي طلب خارجي بتأجيل الانتخابات وهي ستحصل في موعدها على افضل ما يرام”.
إقرأ أيضاً:
ملف رواتب القطاع العام يبقى في صلب الإشكالية. فالدولة التي تعاني من فجوة مالية كبيرة تجد نفسها أمام معادلة صعبة: من جهة، هناك ضغط اجتماعي لتحسين رواتب الموظفين الذين تآكلت أجورهم بفعل التضخم وانهيار العملة؛ ومن جهة أخرى، هناك محدودية في الموارد وتراجع في الإيرادات التقليدية. وعليه، تبدو الحكومة وكأنها تراهن على تحسين التحصيل بدل توسيع العبء الضريبي.
إلا أن هذا الخيار يواجه بدوره تحديات، أبرزها قدرة الإدارة على التنفيذ الفعلي، واستقلالية القضاء في ملاحقة المخالفين، وغياب الإصلاحات البنيوية الأعمق في المالية العامة، مثل إعادة هيكلة القطاع العام وضبط الإنفاق وترشيده.
في المحصلة، تعكس جلسة مجلس الوزراء محاولة لإعادة توجيه النقاش العام من فرض ضرائب جديدة إلى تحسين الجباية ومكافحة التهرب. غير أن نجاح هذا المسار يبقى مرتبطًا بمدى ترجمة القرارات إلى إجراءات ملموسة على الأرض، وبقدرة الحكومة على تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الاستقرار المالي وضرورات العدالة الاجتماعية في مرحلة يُعدّ فيها كل قرار مالي خطوة حساسة في مسار التعافي الطويل.
