خاص مركز بيروت للأخبار – وكالات
إعداد: MZA
في لحظة سياسية وأمنية بالغة الحساسية، قرر دونالد ترامب تمديد المهلة التي منحها لإيران من 10 أيام إلى 15 يوماً لإبرام ما وصفه بـ”صفقة مجدية”، قبل أن يبتّ بخيار العمل العسكري. التعديل الزمني، الذي جاء بعد ساعات فقط من إطلاق التهديد الأول، لم يكن تفصيلاً تقنياً في خطاب رئيس، بل إشارة استراتيجية أعادت خلط الحسابات في واشنطن وطهران وتل أبيب وموسكو على حد سواء.
المهلة الأولى أُعلنت في اجتماع رسمي، ثم عُدِّلت من على متن الطائرة الرئاسية. هذا التباين في الإطار واللغة فتح الباب أمام سؤال جوهري: هل نحن أمام إنذار حرب فعلي، أم مناورة ضغط تفاوضي أخير قبل تثبيت معادلة جديدة في المنطقة؟
المشهد لا يُقرأ من زاوية زمنية بحتة، بل من زاوية تزامن غير عادي بين تصعيد الخطاب السياسي الأمريكي، وحشد عسكري واسع في الخليج وبحر العرب، وعودة المفاوضات النووية إلى واجهة المشهد في جنيف.
الخبراء في واشنطن انقسموا حول دلالات تمديد المهلة. فبينما اعتبر السفير الأمريكي السابق فريدريك هوف أن على طهران استغلال اللحظة سريعاً والتوصل إلى اتفاق يرضي ترامب قبل أن تتغير المعادلة، رأى ستيفن هايدمان من معهد بروكينغز أن إعطاء أهمية كبرى للجدول الزمني الذي يعلنه ترامب قد يكون خطأً، نظراً إلى أن الرئيس الأمريكي يطلق مثل هذه التهديدات بصورة متكررة دون أن يلتزم دائماً بإطارها الزمني.
لكن النقاش الحقيقي لا يتعلق بعدد الأيام، بل بما يجري على الأرض. فالولايات المتحدة دفعت بمجموعات بحرية ضاربة إلى المنطقة، بينها حاملة الطائرات “يو إس إس جيرالد فورد” القادمة من الأطلسي لتنضم إلى “أبراهام لينكولن” التي وصلت بحر العرب. هذا الحشد يُعدّ الأكبر منذ غزو العراق عام 2003، ما يمنح التهديد السياسي وزناً عسكرياً ملموساً.
داخل البيت الأبيض، ناقش مستشارو الأمن القومي خيارات متعددة، من ضربة افتتاحية محدودة تستهدف مواقع عسكرية أو حكومية لإجبار طهران على الرضوخ، إلى حملة أوسع قد تطال منشآت نووية ومراكز قيادة ومنصات صواريخ، وصولاً إلى سيناريوهات تغيير النظام.
هذا التنوع في الخيارات يعكس غياب وضوح استراتيجي حاسم ويظهر في الوقت نفسه تخبطاً أمريكياً واضحاً بين هيئة الأركان وضباط الاستخبارات الأمريكية دون أن يجيب أحدهم عن سؤال: هل الهدف ردع إيران، أم إعادة صياغة النظام الإقليمي برمته؟ يقول صحفيون أمريكيون أن ترامب نفسه لا زال غير مدرك حتى اللحظة.
في المقابل، تبدو إيران وكأنها تتحرك وفق مقاربة مزدوجة. وزير خارجيتها عباس عراقجي تحدث بعد جولة جنيف عن اتفاق عام على بعض المبادئ، في إشارة إلى استمرار قنوات التفاوض. لكن نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس رسم صورة أكثر تشاؤماً، مؤكداً أن الإيرانيين لم يعترفوا بعد بالخطوط الحمراء التي وضعها ترامب.

الخطوط الحمراء الأمريكية لا تقتصر على البرنامج النووي، بل تمتد إلى تفكيك الصواريخ الباليستية ووقف دعم الوكلاء الإقليميين. وهنا يكمن جوهر التعقيد. فإيران ترى في برنامجها الصاروخي ركيزة ردع أساسية، كما تعتبر شبكة حلفائها الإقليميين جزءاً من استراتيجيتها الدفاعية المتقدمة. لذلك، فإن القبول بالشروط الأمريكية الكاملة يعني إعادة تعريف عقيدتها الأمنية.
مع ذلك، ثمة مؤشرات على مرونة متبادلة. واشنطن ألمحت إلى أنها قد لا تصر على وقف كامل للتخصيب، مقابل التزام إيراني بعدم العودة إلى مستويات الإنتاج السابقة. الضربات التي استهدفت منشآت مثل نطنز وأصفهان، إلى جانب عمليات تخريب سيبرانية، أعادت رسم خريطة القدرات الفعلية.
تمتلك إيران أكثر من 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهي كمية تثير قلقاً غربياً، وإن كانت طهران تؤكد أن امتلاك قنبلة نووية يتعارض مع فتوى المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي وإن كانت نسب الخصيب يجب أن تبلغ 90% للبداية بصنع سلاح نووي.
القلق لا يقتصر على واشنطن وطهران. في تل أبيب، تتابع القيادة العسكرية الإسرائيلية تطورات الحشد الأمريكي بقلق واضح.
رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو طرح قبيل مفاوضات جنيف مطالب صارمة: تفكيك المشروع النووي الإيراني بالكامل، ووقف التخصيب في الداخل والخارج، ومعالجة مصير أذرع طهران في المنطقة.

في موازاة ذلك، أصدرت السفارة الإسرائيلية في واشنطن بياناً تحدث عن تعديلات أُدخلت على مقاتلات “إف-” لزيادة مداها من دون المساس بقدراتها الشبحية، في رسالة غير مباشرة مفادها أن خيار الضربة المنفردة ليس مستبعداً.
هيئة البث الإسرائيلية نقلت عن مصادر أن تل أبيب ستهاجم إيران إذا تعرضت لهجوم منها، وأنها تستعد لسيناريوهات متعددة. كما هبطت طائرة سرية تابعة لوحدة العمليات الخاصة الأمريكية في مطار بن غوريون، ما عزز الانطباع بأن التنسيق الأمريكي–الإسرائيلي بلغ مستويات غير مسبوقة.
داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، يُنظر إلى أي ضربة أمريكية باعتبارها شرارة قد تفتح جبهة متعددة الاتجاهات، تشمل ردوداً صاروخية مباشرة أو عبر حلفاء إيران في لبنان وغزة وسورية. قائد المنطقة الشمالية اللواء رفي ميلو تحدث عن جاهزية غير مسبوقة، في إشارة إلى توقع مواجهة معقدة وطويلة.
في خلفية المشهد، تتحرك موسكو بهدوء حذر. المتحدث باسم الكرملين ديميتري بيسكوف أكد أن روسيا ستواصل جهود الوساطة، لكنه أشار إلى أن التقييم الروسي يميل إلى أن واشنطن لا تُظهر استعداداً جدياً للحل الدبلوماسي، بل تقترب من خيار الضربة العسكرية.
التقديرات الروسية، التي أُبلغت إلى طهران، تفيد بأن عملية عسكرية أمريكية قد تقع خلال أيام أو أسابيع، في ظل الحشد المتسارع. هذا البعد يضيف عنصراً دولياً إضافياً، إذ إن أي مواجهة واسعة قد تُدخل القوى الكبرى في حسابات أكثر تعقيداً.
التمديد من 10 إلى 15 يوماً قد يُقرأ كإشارة إلى أن ترامب لا يريد التسرع في اتخاذ قرار الحرب، لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع إبقاء هذا الحشد العسكري الضخم في المنطقة إلى أجل غير مسمى. الكلفة اللوجستية والسياسية عالية، كما أن الالتزامات الأميركية في آسيا وأوروبا تفرض قيوداً على استمرار الانتشار.
هايدمان يرى أن التهديد قد يكون هدفاً بحد ذاته، أداة لرفع سقف الضغط التفاوضي، لا مقدمة حتمية للحرب. لكن مع كل يوم يمر، يزداد خطر سوء الحسابات. فإذا اقتنعت طهران بأن الضربة حتمية، قد تلجأ إلى هجوم استباقي أو إلى توسيع دائرة الردع عبر حلفائها، ما يحول التهديد إلى واقع.
الواقع أن واشنطن وطهران لا ترغبان في حرب مفتوحة شاملة. الفوضى الإقليمية ليست في مصلحة أي منهما، كما أن القوى الإقليمية الكبرى، مثل تركيا وباكستان والسعودية، تفضّل اتفاقاً نووياً مستقراً يحظى بدعم دولي. لكن تلاقي الاستعدادات العسكرية مع مفاوضات مشوبة بالشكوك يخلق حالة من “السلام المسلح”، حيث يجري التفاوض وكأن الحرب ستقع غداً.
في النهاية، لا يتعلق تمديد المهلة بخمسة أيام إضافية فحسب، بل بميزان دقيق بين الردع والتفاوض. ترامب وضع ساعة رملية أمام طهران، ثم أضاف إليها بعض الحبيبات. لكن السؤال الأكبر يبقى: هل هذه الساعة تعدّ تنازلاً زمنياً أخيراً قبل الضربة، أم فرصة أخيرة لتفادي الانفجار؟
في الشرق الأوسط، الفارق بين الإنذار والمواجهة قد يكون أياماً قليلة… أو خطأ في التقدير.
