خاص -مركز بيروت للأخبار
في مشهد يعكس عمق الهوة بين الطرفين، بدت محادثات جنيف بين واشنطن وطهران وكأنها تسير في مسارين متوازيين، إيران تتحدث عن “مبادئ توجيهية” وانطلاقة تفاوضية، فيما تؤكد الإدارة الأمريكية أن لا اختراق حقيقيا قد تحقق.
وبين تفاؤل محسوب من جانب طهران وتحفظ أمريكي مشوب بالتهديد العسكري، تعود الأزمة النووية إلى نقطة اختبار جديدة قد تحدد شكل المرحلة المقبلة في الشرق الأوسط.
موقف واشنطن: خطوط حمراء وخيار عسكري
أكد نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس أن إيران لم تُبدِ استعداداً للاعتراف بالمطالب الأساسية التي وضعها الرئيس دونالد ترامب، وعلى رأسها الوقف الكامل لتخصيب اليورانيوم.
وفي مقابلة مع فوكس نيوز، أشار فانس إلى أن المحادثات “سارت بشكل جيد من بعض النواحي”، لجهة الاتفاق على استكمال اللقاءات، لكنه شدد على أن الخطوط الحمراء الأمريكية لم تُلبَّ بعد، ملوحاً بأن العمل العسكري لا يزال خياراً قائماً.
كما نقلت وول ستريت جورنال عن مسؤول أمريكي أن طهران وافقت على تقديم نص خلال أسبوعين لتوضيح ما وصفته واشنطن بـ”الثغرات” في الموقف الأمريكي، ما يعكس استمرار الاتصالات رغم التباين العلني.
الولايات المتحدة تركز على مطلب جوهري يتعلق بإنهاء قدرة إيران على إنتاج سلاح نووي، مستندة إلى حقيقة أن طهران رفعت نسبة تخصيب اليورانيوم إلى 60%، وهي نسبة تقترب تقنيا من عتبة 90% المطلوبة لصناعة قنبلة نووية. وبذلك، تسعى واشنطن إلى اتفاق ملزم يزيل عمليا أي إمكانية لإعادة تفعيل البرنامج العسكري مستقبلا.
طهران: انطلاقة تفاوضية لا تعني استسلاما
في المقابل، بدا وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أكثر تفاؤلاً، واصفاً المحادثات بأنها “أكثر جوهرية”، مؤكداً الاتفاق على تبادل نصوص تمهيداً لوضع إطار عمل لاتفاق محتمل.
وأوضح عراقجي، بعد لقائه بالمفاوض الأمريكي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، أن انطلاق مسار الصياغة لا يعني قرب التوصل إلى اتفاق، لكنه يمثل بداية عملية تفاوضية فعلية.
وفيما تطرح إيران مقاربة مختلفة، استعداداً لنقل مخزون اليورانيوم العالي التخصيب إلى الخارج أو تعليق التخصيب لفترة محددة، مقابل رفض قاطع للوقف الكامل والدائم. كما تشترط رفع العقوبات الاقتصادية وفتح مسارات الاستثمار والتجارة، معتبرة أن أي اتفاق يجب أن يكون “عادلا ومنصفاً”.
تهديدات متبادلة ورسائل عسكرية
تأتي المحادثات على وقع تصعيد ميداني لافت، فقد أجرت إيران مناورات في مضيق هرمز، شملت إطلاق صواريخ كروز من شاحنات وقوارب سريعة، في رسالة ردع مباشرة.
وقبيل المحادثات، حذر المرشد الأعلى علي خامنئي من أن بلاده مستعدة للرد على أي ضربة أمريكية، قائلا إن “السلاح القادر على إغراق السفينة الحربية أخطر من السفينة نفسها”.
في المقابل، دفعت إدارة ترامب بحاملات طائرات وقوات إضافية إلى المنطقة، في استعراض قوة يهدف إلى تعزيز أوراق التفاوض والردع في آن واحد.
أصل الخلاف “التجريد النووي” أم “التقييد المؤقت”؟
جوهر النزاع يتمثل في تعريف الهدف النهائي للاتفاق إذ تريد واشنطن إزالة القدرة النووية الإيرانية بشكل كامل ودائم، في وقت ترفض طهران ذلك وربما تقبل بتقييدها مؤقتا دون التخلي عنها.
هذا التباين يعكس صراعاً أعمق حول مفهوم الردع والسيادة، فبينما ترى الولايات المتحدة أن بقاء القدرة التقنية بحد ذاته تهديد، تعتبر إيران أن التخلي الكامل عنها يعني تسليم أوراق القوة الاستراتيجية.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
وتشير المعطيات الحالية إلى ثلاثة احتمالات رئيسية، كاحتمال استمرار التفاوض غير المباشر مع تقدم بطيء قائم على تبادل النصوص، أو ربما اتفاق مرحلي محدود يجمّد التخصيب العالي مقابل تخفيف جزئي للعقوبات، إلا أن السيناريو الأكثر ترجيحاً وفق مراقبون يستندون إلى الضغط الإسرائيلي المتواصل على إدارة ترامب، قد يكون عودة التصعيد إذا تعثرت المحادثات، خاصة في ظل سوابق شهدت انتقالاً سريعاً من الدبلوماسية إلى المواجهة العسكرية.
ربما جنيف لم تُنتج اختراقاً، لكنها لم تنه المسار أيضاً. وبين تفاؤل إيراني حذر وتشدد أمريكي مدعوم بالردع العسكري، تبقى المنطقة معلقة بين فرصة تسوية تاريخية ومخاطر انزلاق جديد نحو المواجهة.
