خاص مركز بيروت للأخبار

في اللحظة التي كان اللبنانيون يترقبون فيها هلال رمضان بوصفه شهراً للرحمة والتكافل، استيقظوا على واقع مالي أكثر قسوة، قرار حكومي صدر قبل ساعات فقط بفرض 300 ألف ليرة على صفيحة البنزين (20 ليتراً) ورفع ضريبة القيمة المضافة 1%. القرار الذي أُقرّ في جلسة لمجلس الوزراء مساء أمس، تحوّل مع أول يوم من الشهر الفضيل إلى كرة نار سياسية واقتصادية، وضعت حكومة نواف سلام في مواجهة مباشرة مع الشارع، وفتحت باباً واسعاً للتساؤل: هل اختارت السلطة التوقيت الأسوأ لفرض ضرائب جديدة في بلد يعيش واحدة من أسوأ أزماته المعيشية؟

إقرأ أيضاً: 

باسيل يفجّرها: رفع البنزين 25% إعلان حرب على اللبنانيين

انتقاد نقابي لقرار رفع البنزين والـTVA: “لبنان يتحوّل من دولة رعاية إلى دولة جباية”

زيادة البنزين تثير غضب اللبنانيين

قرار مالي أم مقامرة سياسية؟
قرار مالي أم مقامرة سياسية؟

القرار الحكومي لم يكن تقنياً بحتاً، فزيادة البنزين بنحو أربعة دولارات للصفيحة، مع رفع الـTVA، جاءت في لحظة حساسة اقتصادياً واجتماعياً.

مصادر وزارية بررت الخطوة بالحاجة إلى تمويل زيادات رواتب القطاع العام والعسكريين، وتأمين استمرارية دفع مستحقات نحو 320 ألف موظف. لكن خصوم الحكومة اعتبروا أن ما جرى ليس سوى “تمويل للإنفاق عبر جيب الفقير”.

من منظور اقتصادي بحت، تعني زيادة المحروقات ارتفاعاً فورياً في كلفة النقل والإنتاج، ما ينعكس تلقائياً على أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية. ومع رفع ضريبة القيمة المضافة، يتوسع نطاق التأثير ليشمل معظم مفاصل الاستهلاك اليومي. في بلد يستورد أكثر من 80% من احتياجاته، أي ارتفاع في كلفة الطاقة يترجم تضخماً مضاعفاً.

السؤال المركزي هنا ليس مالياً فقط، بل سياسياً: لماذا الآن؟

سلام بين الدفاع والاختبار

رئيس الحكومة نواف سلام دافع عن القرار من طرابلس، حيث زار أحياء فقيرة بعد حادثة انهيار مبنى في القبة. قال إن الزيادة على الـTVA “محدودة”، وإن قرار رفع البنزين “لم يكن سهلاً”، مشيراً إلى إلغاء زيادة كانت مطروحة على المازوت.

لكن في لغة الاقتصاد السياسي، لا يُقاس القرار بحجمه النسبي فقط، بل بتوقيته وسياقه الاجتماعي. سلام يحاول تقديم نفسه كصاحب مقاربة إصلاحية قائمة على “التوازن بين العدالة الاجتماعية والانضباط المالي”. غير أن الشارع قرأ القرار بشكل مختلف: رفع رواتب يقابله رفع ضرائب، ما يعني أن الزيادة ستتبخر سريعاً في الأسواق.

مصادر مقربة من السراي الحكومي تؤكد أن الحكومة كانت أمام “خيارين أحلاهما مر”: إما تمويل الزيادات عبر ضرائب غير مباشرة، أو العودة إلى دوامة العجز والاستدانة. لكن منتقدين يرون أن الحكومة لم تفتح نقاشاً جدياً حول بدائل أخرى، مثل مكافحة التهرب الضريبي أو إعادة هيكلة الإنفاق العام.

وزير المال: أرقام في مواجهة الشارع

وزير المال ياسين جابر أوضح أن الدولة لا تستطيع إقرار زيادات من دون تأمين إيرادات، محذراً من “أزمة أكبر” إذا لم تُعالج الفجوة المالية. كما أشار إلى إعفاء بعض السلع الغذائية الأساسية من الزيادة على القيمة المضافة.

لكن خبراء اقتصاديين يعتبرون أن الضرائب غير المباشرة، كالمحروقات والـTVA، هي الأكثر قسوة على الفئات الفقيرة، لأنها لا تراعي مستوى الدخل. ومع أول يوم من رمضان، حيث يرتفع الطلب على الغذاء والنقل، يصبح أثر القرار مضاعفاً.

احتجاجات … وقطع طرقات

احتجاجات … وقطع طرقات
احتجاجات … وقطع طرقات

منذ ساعات صباح الأمس الأولى، سجلت تحركات احتجاجية في زحلة وخلدة وجسر الرينغ، مع قطع طرقات لفترات محدودة. التحركات لم تتوسع بعد، لكنها حملت رسائل واضحة: “التوقيت مرفوض” و”العدالة الضريبية أولاً”.

قوى الأمن تدخلت لإعادة فتح الطرق، فيما اكتفت الحكومة بالمراقبة. المشهد أعاد إلى الأذهان بدايات احتجاجات سابقة انطلقت من قرارات مالية، قبل أن تتدحرج سياسياً.

السؤال الذي يطرحه مراقبون: هل تبقى التحركات موضعية، أم تتحول إلى موجة أوسع إذا انعكست الزيادات سريعاً على أسعار السلع في الأسواق خلال الأسبوع الأول من رمضان؟

بين بعبدا والسراي: تباين في الإيقاع!

في بعبدا، واصل الرئيس جوزاف عون لقاءاته الدبلوماسية والأمنية، من دون تعليق مباشر على القرار. لكن مصادر سياسية تشير إلى أن الملف المالي بات اختباراً مبكراً لتماسك السلطة التنفيذية.

سلام، القادم بشعار “الإصلاح والحوكمة”، يواجه اليوم أول اختبار شعبي واسع. فإدارة الأزمة لا تتعلق فقط بالأرقام، بل بقدرة الحكومة على إقناع الرأي العام بأن القرار جزء من خطة متكاملة، لا إجراءاً معزولاً.

مؤيدون: ضرورة مؤلمة

احتجاجات … وقطع طرقات
احتجاجات … وقطع طرقات

في المقابل، يدافع مؤيدو الحكومة عن الخطوة باعتبارها “ضرورة مؤلمة”. يقولون إن الدولة لا يمكن أن تستمر بدفع زيادات من دون موارد، وإن تحميل القرار بعداً شعبوياً لن يحل الأزمة البنيوية.

بعض الكتل النيابية اعتبرت أن الإصلاح يتطلب “قرارات غير شعبية”، وأن البديل هو الانهيار المالي مجدداً. لكن حتى داخل بيئة داعمة للحكومة، هناك من يقرّ بأن التوقيت عشية رمضان لم يكن موفقاً.

معارضون: ضريبة على الفقر

المعارضة رأت في القرار “ضريبة على الفقر”، معتبرة أن الحكومة لجأت إلى أسهل الخيارات: جيب المواطن. نواب معارضون دعوا إلى مراجعة القرار فوراً، وطرحوا تساؤلات حول جدوى الإصلاح إذا كان يبدأ من الاستهلاك لا من مكامن الهدر.

اقتصادياً، يرى معارضون أن رفع المحروقات سيؤدي إلى موجة تضخم جديدة، ولو بنسبة محدودة، لكنها كافية لإرباك الأسواق في شهر يشهد ذروة استهلاك.

البعد الرمزي: رمضان والسياسة

رمضان في لبنان ليس مجرد شهر ديني، بل محطة اجتماعية واقتصادية. الأسواق تنشط، الاستهلاك يرتفع، والإنفاق العائلي يتضاعف. أي قرار مالي في هذه الفترة يحمل وزناً رمزياً إضافياً.

الحكومة قد تجادل بأن الإصلاح لا ينتظر المواسم، لكن في علم السياسة، التوقيت جزء من القرار. ومع أول يوم من الشهر، تحوّل النقاش من “إصلاح مالي” إلى “حساسية اجتماعية”.

هل حشرت الحكومة نفسها في الزاوية؟

هل حشرت الحكومة نفسها في الزاوية؟
هل حشرت الحكومة نفسها في الزاوية؟

المعضلة التي تواجه حكومة سلام اليوم مزدوجة، فهي اليوم إن هي تراجعت، ستبدو ضعيفة أمام الشارع، وإذا مضت قدماً، ستتحمل تبعات الغلاء المحتمل في الأسابيع المقبلة.

يعتقد محللون اقتصاديون أن مفتاح الخروج من الزاوية يكمن في أمرين، أولهما تشديد الرقابة على الأسعار لمنع الاستغلال. وثانيهما تقديم خطة مالية شفافة تشرح أين ستذهب الإيرادات الجديدة. لكن من دون ذلك، سيبقى القرار في نظر كثيرين مجرد “جباية موسمية”.

السيناريوهات المحتملة

عندما يتقاطع التوقيت المالي مع اللحظة الاجتماعية الأكثر حساسية في السنة، تتكثف الأزمة في نقطة واحدة. لبنان اليوم أمام معادلة ثلاثية لا تحتمل كثيراً من المناورة: احتواء مضبوط تنجح فيه الحكومة في لجم الأسعار ومنع انفلات السوق، فيبقى الغضب تحت السيطرة، أو توسّع تدريجي للاحتجاجات إذا ترجم أي ارتفاع إضافي في أسعار الغذاء والنقل خلال الأيام الأولى من رمضان إلى ضغط مباشر على الشارع، أو مراجعة قسرية للقرار تحت وطأة كلفة سياسية تتجاوز العائد المالي.

في بلد تُستنزف فيه الطبقة الوسطى بفعل التضخم المزمن، وانكماش الدخل الحقيقي، وتفلّت بعض الأسواق من الرقابة الفعالة، لم يعد القرار الضريبي مجرد أداة مالية، بل بات اختباراً لمدى قدرة السلطة على إدارة التوازن بين الجباية والاستقرار الاجتماعي.

وفي موازاة ذلك، يتصاعد سؤال العدالة الاقتصادية: هل اختارت الحكومة الطريق الأسرع نحو الإيرادات بدل الطريق الأصعب نحو الإصلاح البنيوي وضبط هوامش الربح ومكافحة الاحتكار؟

مواطنون كثر يرون أن الكلفة وُزّعت أفقياً على المستهلكين، فيما بقيت مكامن الخلل الهيكلي خارج دائرة المعالجة الفورية. ومع أول أيام رمضان، دخلت حكومة نواف سلام منطقة ضغط سياسي عالي الحساسية، حيث يتحول أي خلل في الأسواق إلى مضاعف اجتماعي سريع الاشتعال. ربما الأسابيع المقبلة لن تقيس فقط أثر القرار على الخزينة، بل ستحدد ما إذا كانت السلطة قادرة على منع تحوّل “تصحيح مالي” إلى أزمة ثقة أعمق في بلد يعيش على حافة الإجهاد الاقتصادي الدائم.

شاركنا رأيك:

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com