مبارك بيضون /مدير مركز بيضون للاخبار

لم يعد المشهد اليمني مجرّد ساحة حرب داخلية أو صراع إقليمي تقليدي، بل تحوّل إلى مرآة تعكس تناقضات الحلفاء أنفسهم، وفي مقدّمهم المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة. فالدور الإماراتي المتنامي عبر قوى محلية مدعومة منها يطرح أسئلة مصيرية حول مستقبل الحكم والأمن والسلام في اليمن، كما يكشف عن تباينات عميقة داخل التحالف الذي قاد الحرب منذ عام 2015.

من الواضح أن أبوظبي لم تعد تنظر إلى اليمن فقط من زاوية دعم “الشرعية”، بل من منظور إعادة هندسة النفوذ السياسي والعسكري عبر قوى أمر واقع، أبرزها المجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة عيدروس الزبيدي، وقوات المقاومة الوطنية بقيادة طارق محمد صالح. هذه القوى، التي باتت تسيطر على أكثر من ثلثي الأراضي اليمنية، تشكّل اليوم مركز ثقل ميداني لا يمكن تجاهله في أي تسوية مستقبلية.

في المقابل، تبدو الرياض أكثر حذراً في التعامل مع هذا الواقع، إذ تخشى أن يؤدي تعاظم نفوذ هذه القوى إلى تقويض وحدة اليمن، وإلى قيام كيانات سياسية وعسكرية خارجة عن السيطرة السعودية. ويتجلّى هذا القلق في مطالبة المملكة بسحب قوات المجلس الانتقالي من محافظتي حضرموت والمهرة، وهي خطوة قوبلت برفض قاطع، ما يعكس انتقال الخلاف من الغرف المغلقة إلى العلن.

رفض المجلس الانتقالي لا يمكن قراءته فقط كخلاف ميداني، بل كرسالة سياسية واضحة مفادها أن موازين القوى تغيّرت، وأن مرحلة “الالتزام الصامت” انتهت. وهذا التطور يضع التحالف السعودي-الإماراتي أمام اختبار حقيقي: إما إعادة ضبط العلاقة وفق تفاهمات جديدة، أو الانزلاق نحو صراع نفوذ مفتوح داخل اليمن.

الأخطر من ذلك أن تداعيات هذا الخلاف لا تقتصر على الساحة اليمنية. فالدور الإماراتي في ليبيا والسودان والصومال وحتى غزة يجعل من أي تصعيد سعودي-إماراتي مسألة إقليمية بامتياز، لها انعكاسات أمنية واقتصادية وإنسانية تتجاوز حدود اليمن. كما أن سعي الرياض إلى تأكيد “الخطوط الحمراء” لأمنها القومي، كما ورد في بيانات رسمية موقعة من الملك سلمان بن عبد العزيز، يوحي بأن المملكة لن تقف مكتوفة الأيدي إذا شعرت بأن توازناتها الاستراتيجية مهددة.

الدخول الأميركي على خط الوساطة، سواء عبر اتصالات وزير الخارجية ماركو روبيو مع القيادة الإماراتية أو عبر رسائل سعودية إلى واشنطن، يعكس إدراكاً دولياً لخطورة تفكك التحالفات القائمة في المنطقة. غير أن هذا التدخل يبقى محدود الفاعلية ما لم تُحسم التناقضات البنيوية بين الحليفين الخليجيين.

في المحصلة، لم يعد السؤال المطروح هو كيف تنتهي الحرب في اليمن، بل أي يمن سيخرج من تحت أنقاضها: يمن موحّد بقرار سياسي جامع، أم يمن موزّع بين قوى نفوذ ترعاها حسابات إقليمية متضاربة؟ الإجابة عن هذا السؤال لا تحدد مصير اليمن وحده، بل ترسم ملامح مرحلة جديدة في العلاقات السعودية-الإماراتية وفي توازنات الشرق الأوسط ككل
اقرا المزيد :
https://beirutnewscenter.com/archives/1165762

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com