ريم سلمان مركز بيروت للأخبار خاص ____حمص
في حادث تفجير إرهابي جديد هزَّ مدينة حمص السورية، شهد جامع الإمام علي كرم الله وجهه في منطقة وادي الدهب يوم الجمعة جريمة بشعة استهدفت المصلين الأبرياء أثناء أداء صلاة الجمعة. أسفر التفجير عن مقتل وجرح العديد من الأشخاص، من بينهم 3 أطفال، في هجوم لا يمكن وصفه إلا بأنه استهداف ممنهج لروح سوريا المتنوعة والشعب الذي يعاني من ويلات الحرب. لقد أثار هذا الهجوم الوحشي موجة من الغضب والصدمة في كافة أرجاء البلاد، وهو يأتي في وقت حساس للغاية في ظل الأزمة السورية المستمرة.
المأساة في قلب الجامع:
يُعد يوم الجمعة في العالم الإسلامي يومًا ذا طابع خاص، حيث يتجمع المسلمون في المساجد لأداء الصلاة والدعاء في جوٍ من العبادة والتقرب إلى الله. لكن في يوم الجمعة هذا، أصبح جامع الإمام علي في حمص ساحة لدماء الأبرياء، حيث كان عشرات المصلين يتوجهون إلى المسجد لأداء الصلاة ليُفاجَأوا بتفجير إرهابي يزهق أرواحهم.
بينما كانت الأنظار تتوجه إلى الجرحى والمصابين الذين تم إخراجهم من بين أنقاض المسجد، كان الشعور العام في المدينة بين الحزن الشديد والغضب العارم. الإصابات تراوحت بين جروح خطيرة وحالات بتر، ما يدل على وحشية الهجوم وهدفه المتعمد في ترويع المدنيين. وكما في كثير من الهجمات السابقة، لم يفرق هذا التفجير بين طائفة وأخرى، ليُظهر أن الإرهاب لا يميز بين مسلم ومسيحي، وأن غاياته هي نشر الفوضى والفرقة بين أبناء الوطن الواحد.
من يقف وراء التفجير؟
التساؤل الأبرز بعد هذا الهجوم هو: من يقف خلف هذا التفجير؟ على الرغم من أن السلطات المحلية حمَّلت قوات قسد مسؤولية التفجير، إلا أن قسد نفت أي علاقة لها بالحادث. ما يزيد الأمر تعقيدًا هو عدم التوصل إلى تحديد ما إذا كان التفجير نتيجة زرع عبوات ناسفة في المسجد، أم أنه كان هجومًا انتحاريًا.
كما ذكر رامي عبد الرحمن، مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان، أن التفجير وقع في وقت حساس، حين كان المصلون في أوج عبادتهم، ما يثير الشكوك حول أهداف هذه الهجمات الممنهجة.
“رسالة من لبنان: تضامن مع الضحايا”
بعد وقوع الحادث، أرسلت الحكومة اللبنانية برقية تعزية إلى الحكومة السورية، جاء فيها: “رحم الله شهداء جامع الإمام علي كرم الله وجهه. نحن معكم في هذه المحنة، ونتقدم بأحر التعازي إلى الشعب السوري وحكومته.” وهذه الرسالة ليست مجرد تعبير عن الحزن، بل هي دعوة للتضامن بين الدول العربية في مواجهة الإرهاب الذي لا يميز بين أحد.
وفي هذا السياق، أعلن رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزاف عون إدانته الشديدة للاعتداء الإرهابي الذي استهدف مسجد الإمام علي في حمص، مؤكداً أن “كرامة المجتمعات الحرة، والاستقرار الثابت للدول الطامحة إلى ازدهار شعوبها وخيرهم المستدام، لا يتحققان إلا عبر ضمان الحريات الأساسية لكل إنسان، الفردية منها كما الجماعية.”
وأضاف الرئيس عون أن “خطاب الكراهية وظواهر تكفير الآخر وإقصائه عن الحياة الوطنية والعامة، يشكلان التحدي الأقسى لكل مجتمع خارج من حروب متشابكة ومتراكمة الأسباب والعوامل.” وتوجه الرئيس عون إلى “أخيه الرئيس السوري أحمد الشرع وحكومته، كما إلى الشعب السوري الشقيق وخصوصاً إلى ضحايا الجريمة النكراء وذويهم ومرجعياتهم الروحية، بأصدق التعازي وأعمق مشاعر التضامن.” كما جدد دعمه “لسوريا في حربها ضد الإرهاب وفي سعيها إلى بناء دولة الحرية والديمقراطية والحداثة، وهو ما يشكل ضمانة لسوريا الموحدة ومصلحة وطنية واستراتيجية للبنان.”
التكفير والتحريض الطائفي: من المسؤول؟
وفي وسط هذه المأساة، تتصاعد الأسئلة حول ما الذي يدفع الجماعات الإرهابية إلى استهداف هذه الطائفة أو تلك؟ ما هي مبررات التكفير والتحريض الطائفي الذي لا يتوقف في بعض الخطابات الإعلامية؟ يبدو أن الإرهاب ليس مجرد أعمال عنف، بل هو جزء من حرب نفسية تهدف إلى تقسيم الشعب السوري وزرع الفتنة بين مختلف مكوناته.
هذه الأعمال لا تقتصر على مجرد الهجمات الفردية، بل هي جزء من استراتيجيات أوسع تستهدف إضعاف وحدة المجتمع السوري، وتفتيت نسيجه الاجتماعي. في الوقت الذي ينادي فيه البعض بتطبيق الحلول السياسية والمفاوضات، تأتي هذه التفجيرات لتؤكد الحاجة الملحة لخطوات أكثر فعالية لوقف هذا التصعيد الطائفي والتطرف.
“المجلس العلوي الأعلى: رسالة قوية للمجتمع الدولي”
وفي رد فعل قوي من المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر، صدر بيان يعتبر هذا التفجير استكمالًا لسياسات الإرهاب التكفيري التي تستهدف المكوّن العلوي بشكل خاص، وبقية المكونات السورية بشكل عام. البيان حمل مسؤولية ما يحدث إلى “سلطة الأمر الواقع”، مؤكدًا أن هذه الجرائم هي نتاج السياسات الإقصائية والتحريضية التي يتم اتباعها في بعض المناطق السورية.
وأشار البيان إلى أن الحوادث الإرهابية السابقة مثل التفجير الذي استهدف الجنود الأمريكيين في التنف وتفجير كنيسة مار إلياس في دمشق، تعكس استمرار نفس النهج الإرهابي الذي يستهدف السوريين بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية والطائفية.
كما دعا البيان المجتمع الدولي إلى التدخل الفوري لوضع حد لهذا الإرهاب وحماية المدنيين في الساحل السوري، من خلال فرض الحماية الدولية على المناطق المستهدفة. وشدد على ضرورة تنفيذ القرار 2799 الذي يضمن تحقيق نظام سياسي جامع يعتمد مبدأ الفيدرالية ويؤمن الأمن لجميع السوريين.
هل يمكن لسوريا النجاة من هذه الدوامة؟
وفي النهاية. يبقى السؤال الأهم: كيف يمكن لسوريا أن تخرج من هذه الدوامة؟ ما هي الخيارات أمام السوريين في ظل هذا التصعيد الطائفي والإرهاب المستمر؟ الإجابة تكمن في الوحدة الوطنية والتضامن بين جميع الطوائف والمكونات السورية. إن استمرار التفرقة سيؤدي إلى المزيد من التفجيرات والدمار.
يجب على السوريين أن يتوحدوا في مواجهة هذه المعضلة وأن يسعى الجميع لبناء مستقبل يضمن الأمن والاستقرار لكل السوريين. إن الخروج من الأزمة الحالية يتطلب حلولًا سياسية جذرية قائمة على العدالة والمساواة، دون تمييز بين أي طائفة أو فئة.
إن سوريا تحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى قيادة حكيمة تتبنى مبدأ الحوار والتعاون بين جميع الأطياف والطوائف، لتجنيب البلاد المزيد من التضحيات.
