
بقلم: الدكتور أسامة توفيق مشيمش
تشير الدراسات الإحصائية الحديثة إلى واقعٍ مأساوي يعيشه لبنان اليوم، إذ تفيد الأرقام بأن نحو ٧٥٪ من الشعب اللبناني يعيش تحت خط الفقر. هذه النسبة الصادمة لم تعد مجرّد تقديرات أكاديمية أو بيانات صادرة عن مؤسسات دولية، بل أصبحت واقعاً يلمسه المواطن في تفاصيل يومه من انقطاع الكهرباء، وارتفاع الأسعار، وتآكل القدرة الشرائية، وانعدام الأمان الاجتماعي.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه: ماذا عن الـ ٢٥٪ الباقين؟ هل يعني ذلك أنهم يعيشون في بحبوحة اقتصادية تامة؟ المنطق يقول إنّهم فوق خط الفقر، لكن ليسوا جميعاً على المستوى ذاته من الرفاهية أو الاستقرار المالي. فوفقاً لقراءة واقعية للمشهد، يمكن القول إنّ قلة قليلة جداً من هؤلاء تمتلك ثروة حقيقية يُعتدّ بها، فيما الباقون يلامسون خط الفقر أو يقفون على مسافة قصيرة منه، يعيشون قلق الغد وخوف الانحدار إلى ما دونه.
واللافت أنّ هذه الأرقام لم تصدر فقط عن مراكز بحثية، بل جاءت على لسان رئيس مجلس الوزراء اللبناني القاضي نواف سلام، الذي صرّح قبل أيام بأنّ ٧٥٪ من اللبنانيين باتوا فعلاً تحت خط الفقر. هذا التصريح، حين يصدر عن رأس السلطة التنفيذية، لا يمكن اعتباره مجرد توصيف اقتصادي، بل هو بمثابة إعلان رسمي لحالة اجتماعية خطيرة تستدعي تدخلاً عاجلاً وإصلاحاً جذرياً، وإلا فإنّ الانفجار قادم لا محالة.
فقر متراكم وثروة غائبة
ما يزيد المشهد تعقيداً أنّ حجم الثروات في لبنان غير موثّق رسمياً أو مسجّل ضمن قيود مالية واضحة، إذ يفتقر البلد إلى قواعد بيانات دقيقة توضح توزيع الدخل والثروة بين طبقاته. فالكثير من رؤوس الأموال نُقلت إلى الخارج، وأخرى بقيت مجمّدة أو مستترة خلف واجهات مصرفية وشركات وهمية. هذه الفوضى المالية لا تسمح برسم صورة حقيقية عن الواقع الاقتصادي، لكنها تؤكد أنّ الهوة بين الأغنياء والفقراء تتسع يوماً بعد يوم، وأنّ ما تبقّى من الطبقة الوسطى يتآكل سريعاً حتى يكاد يختفي.
إنّ لبنان الذي كان يوماً مركزاً تجارياً واقتصادياً مزدهراً، تحوّل اليوم إلى وطن مرهق بالديون والانقسامات والتجويع الممنهج. فسياسات الإفقار المستمرة، سواء كانت ناتجة عن أخطاء داخلية أو ضغوط خارجية، تُضعف قدرة الشعب على الصمود، وتُحوّله تدريجياً إلى رهينة الحاجة والعوز، في حين تبقى قلة قليلة تملك القرار والمال معاً.
بين التجويع والمشاريع الخارجية
حين تتبنّى الحكومة أرقام الفقر وتنشرها، فإنها عملياً تُضيء الضوء الأحمر أمام الجميع، وتُقرّ ضمنياً بأنّ الوضع بلغ حدّ الخطر. وهذا الإقرار، كما يرى كثيرون، قد يكون الشرارة التي تُشعل تحركات الشارع من جديد، احتجاجاً على سياسة التجويع والتفقير الممنهجة التي لم تعد خافية على أحد.
فهناك جهات خارجية تُمعن في الضغط الاقتصادي على لبنان، تحت ذرائع متعددة، أبرزها ملف سلاح المقاومة، في محاولة لفرض شروط سياسية تمسّ جوهر سيادة الوطن واستقلال قراره. والأسوأ من ذلك، أنّ بعض الأطراف الداخلية اختارت – عن وعي أو عن مصالح ضيقة – أن تنتقل من خانة الخصومة السياسية إلى خانة العداء الوطني، لتصبح أداة في مشروع أكبر يستهدف وحدة لبنان ومناعته.
لبنان على حافة الانفجار
إنّ ما نشهده اليوم من احتقان اجتماعي، وارتفاع في نسب البطالة، وتراجع في الخدمات الأساسية، ليس سوى مقدمات لانفجار اجتماعي قد يكون الأعنف في تاريخ لبنان الحديث.
نحن أمام مرحلة أشد خطراً من الخمسينيات والسبعينيات، لأنّ الانهيار الحالي لا يقتصر على جانب سياسي أو أمني فحسب، بل يطاول البنية الاجتماعية برمّتها، من التعليم إلى الصحة إلى القدرة على تأمين الغذاء والدواء. فالجوع لا يعرف طائفة، والفقر لا ينتمي إلى حزب، واليأس إذا استبدّ بالناس لن يبقي على شيء.
إنّ لبنان يقف اليوم على مفترق طرق مصيري، إما أن يستعيد روحه الوطنية الجامعة وإما أن يغرق في فوضى لا تبقي ولا تذر. وما يزيد المرارة أنّ هذا الانحدار يجري فيما لا يزال صوت الإمام المغيّب السيد موسى الصدر يتردّد في وجدان اللبنانيين، قائلاً: “لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه”.
تلك العبارة لم تكن شعاراً سياسياً عابراً، بل رؤية وطنية متكاملة أراد منها الإمام الصدر التأكيد على وحدة المصير وضرورة التعايش واحترام الآخر، مهما كانت الخلافات.
ختاماً
إنّ الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في ارتفاع نسب الفقر، بل في تحوّله إلى أداة للابتزاز السياسي ووسيلة للهيمنة على إرادة الشعب. إنّ اللبنانيين اليوم مدعوون، أكثر من أي وقت مضى، إلى التمسّك بوحدتهم الوطنية، وإعادة بناء دولتهم على أسس العدالة والشفافية، لأنّ الكرامة الوطنية لا تُشترى بالدولار ولا تُرهن للمساعدات.
فلبنان الذي صمد في وجه الحروب والمؤامرات، قادر أن ينهض من جديد إذا استعاد ثقة أبنائه بأنّ هذا الوطن لا يزال يستحق الحياة.