
قدّم دونالد ترامب خطته الموعودة، التي قرّر أنها ستضع حداً للحرب على غزّة، والتي أيّدها جمعٌ من ممثلي الدول العربية والإسلامية، من دون أن يزيد أحدٌ منهم حرفاً على ما قاله رئيسُ الإمبراطورية الأقوى في العالم.
بالرغم من أن الخطة لم تتضمن بنوداً سياسية لصالح الفلسطينيين، وقلّصت قضية غزة وفلسطين، بأبعادها التاريخية والقانونية والسياسية…، إلى قضية إنسانية فقط، أمضى العرب والمسلمون الحاضرون في واشنطن خطة ترامب الهزيلة!
لكن خطة ترامب ما كانت لتمرّ لولا أن الرئيس الأمريكي مطمئن إلى نوعية الرؤساء العرب والمسلمين، الذين اختبرهم مراراً، ويدرك طينتهم فثمة من جلس بين يديه صاغراً، وعيناه لم تتوقفا عن الرمش والإغماض. وقال لواحدهم إنه حمى مؤخّرته، وقال للآخر إن مالكم كثير لمقامكم، وعيّر الثالث بتزويره الانتخابات، وبأنه أتى يطلب الشرعية… فتصاغروا في حضرة البلطجي!
رجل واحد من فارس حكى عنه ترامب باستغراب أو استنكار، فقال: دعوته إلى الحوار لكنه هددني!
في سياق آخر قد يكون مختلفاً، لكنه يُضيء على الرؤية الكاملة للسياسة الترامبيّة، كان توم برّاك، السفير الأميركي في أنقرة، والمنتدب إلى لبنان لمتابعة وقف الأعمال العدائية الصهيونية يرسم للعرب خطوط الخريطة الجغرافية السياسية في بلادهم، خصوصاً في بلاد الشام. دُهش كثيرٌ من العرب، وقال بعضهم إنه أكثر الدبلوماسيين القائمين على رأس عملهم صراحةً، بل سطحية. لم يتوقف عند هرجهم، بل شمل برؤيته منطقة الخليج واستراتيجيتها، التي نال بها من أنظمة الخليج الوراثية والملكية، مما يؤكّد الرأي أنه استراتيجي، لا يطلق الكلام جزافاً، بل في سياق مسار سياسي استراتيجي وقانوني، ليكون المعبّر الأدق عن روحية رئيسه ترامب وسياسته، ومرجعيته النظرية، إذا جاز التعبير.
في حديثه عن البنية السياسية للمجتمعات الوطنية في بلاد الشام بأنها تنتمي إلى عصر ما قبل الدولة الحديثة، وهي عبارة عن قبائل وطوائف… وقد صاغت حدود كياناتها الحديثة الاتفاقيةُ الاستعمارية سايكس-بيكو البريطانية – الفرنسية، التي لم تراع بالتأكيد تاريخ المنطقة واجتماعها… لم يكن توقف برّاك عبثياً، إذ تقصّد عدم الرجوع بالتاريخ إلى الوراء، كعصر السلطنة العثمانية التي تمتعت بالشرعية الإسلامية تاريخياً، في عصر سابق على معاهدة وستفاليا، ثمّ اقترح العمل على الموضوع الاقتصادي والرفاهية لبناء جسور السلام بين التشكيلات والمجتمعات المحلية!
إذا دققنا في فكرة برّاك، فلا بد من أن نلحظ عدم ممانعته، ومن يمثّل، إمكانية أن تبادر القوة الإمبريالية اليوم إلى اعتماد صيغة كيانية جديدة للمنطقة، لا تغيّر من طبيعتها القبليّة في شيء، بل تعيد صياغة خطوط الحدود بما يلائم النشاطات الاقتصادية الممكنة، والمقترحة، وبما يلائم موازين القوى الفاعلة فيها، ويما يتناسب وينسجم مع الرؤية الأميركية للمنطقة والعالم، مع الأخذ بعين الاعتبار المصالح الكبيرة للقاعدة الغربية المتقدّمة في العالم العربي والإسلامي، والمتمثّلة بالكيان الصهيوني في فلسطين.
قانونياً، تنتمي المنطقة إلى عالم قبليّ، غير دولتيّ، بنظر براك؛ إذن هي غير مشمولة واقعاً بالاحتكام إلى المؤسسات الدولية من قانونية وسياسية، والتي تلائم وتنسجم مع التاريخ والسياق الأوروبي والغربي عموماً. والشاهد غزّة!
هنا، يلتقي تصريح برّاك بخطة ترامب الغزاوية. ففلسطين من بلاد الشام التي تشكّلت بموجب اتفاقية سايكس – بيكو الاستعمارية، وبالمنطق نفسه يُعاد تشكيلها بإرادة القوة الاستعمارية المعاصرة الجديدة الولايات المتحدة الأمريكية، وستبقى في مرمى النار الصهيونية، ولن تكون بمصاف الدول المعترف بها، ولا بدّ من تشكيلها بما يلائم الوضع المستجد، قتلاً وتهجيراً وإدارة غربية.
أما سوريا، فهي قابلة على نظام جديد، قد يعتمد الفدرالية أو يؤخذ إلى التقسيم، ويصبح لدينا الشام وروجافا ودولة الجبل ودولة الساحل…
أما لبنان فسيكون تابعاً ومكملاً للخريطة العامة في المنطقة بما يراعي الواقع الصهيوني والقاعدة الأمريكية والغربية في الشرق، وبما يكمل الهندسة الجيوسياسية للجمهورية العربية السوري؛ فهو تلك القطعة من الفسيفساء في الجدار العربي الكبير، والتي تحدّث عنها محمد حسنين هيكل، وستتحطم حين يهتزّ الجدار.
الأمور ليست بهذه الصعوبة مع وجود المتعاونين في الإقليم والبلدان المعنية؛ وفي سوريا ثمة تجربة سابقة في التقسيم، حيث كانت المشاريع الفرنسية نشطة في بداية القرن الـ 19، ويمكن إعادة طرح التعديلات المعاصرة وصولاً إلى تركيا، ولواء الإسكندرون وديار بكر… وقد حذّر حزب الحركة القومية التركية وحزب المستقبل من انهيار دمشق وفلسطين باعتبارهما خطاً متقدماً للدفاع عن الوطن التركي.
لكن ثمة نقطة ضعف للمشروع الوطني والقومي تبرز في الفريق الحاكم في دمشق، ومن وراءه من أتراك وعرب، إذ لا يرى أيّ بأس في السياسة الصهيونية المعتمدة تجاه الأراضي الوطنية السورية، بل يصرّ على لسان وزير خارجيته أسعد الشيباني، بل رئيسه أحمد الشرع، على التأكيد أن السياسة المعتمدة والاستراتيجيا السورية الراهنة تفيد “إسرائيل” وتخدمها، بالرغم من اغتصاب القوات العسكرية الصهيونية عدداً من المحافظات السورية بما يتجاوز خط الهدنة المعتمد منذ عهد الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد. ولا بأس من التذكير بأن حمأة المعارضين لنظام البعث، والذين ثاروا عليه، كانوا ينالون منه بأنه مهادن للعدو الصهيوني، ومفرّط بأراضي الجولان، فلما جاءوا زادو في التفريط حتى هانوا.
تتمة لنظرية برّاك القبليّة، أخرج ترمب في خطته الأخيرة المزعومة لغزة كلّ موضوع قانوني ومسؤولية جزائية من النقاش، وجيّر القضية لحساب العمل الإنساني، واقترح إدارة الأراضي الفلسطينية في غزة كشركة، باعتبارها أرضاً للاستثمار، يتولاها التاجر ترمب شخصياً، يعاونه المنافق الدولي توني بلير!
أين العرب؟
إن أعظم شرف للعرب في التاريخ أن النبي الأميّ بُعث بين ظهرانيهم، ثم نكثوا، ورجعوا إلى قبائلهم، وضربوا نحور بعضهم البعض، بعد وفاته مباشرة، إلى أن قيّض الله لهم من يمسك دفّة الحكم والدول من الفرس والترك، الذين واجهوا أهم غزوين تاريخيين: الصليبيين والمغول، ثم سادوا لمئات من السنين. والعرب ما بين خوار ولهو وفقر.
اليوم، ذهب العرب ومن بمعيّتهم من مسلمي المعمورة لمبايعة ترمب، هولاكو العصر، فخنع الحاكم الضعيف، ودفع الإتاوات والجزية الحاكم الفاسد، وأمضى الخطة من لا دين له ولا ورع ولا قيمة.
طارق قبلان
صحافي وكاتب لبناني
05/10/2025