لبنان بين السلاح والضغوط: قراءة في الواقع السياسي

كتب مدير “مركز بيروت للأخبار” مبارك بيضون:
لم تكن القمة الأخيرة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين حدثًا عابراً، بل محطة استثنائية في مسار الصراع الدولي الراهن. فعلى الرغم من غياب بيان ختامي أو مؤتمر صحافي يحدد النتائج، فإن مجرد انعقاد القمة، وما تخللها من رسائل، يكفي ليعكس تحوّلًا في التوازنات العالمية، وخصوصًا في ظل الحرب الأوكرانية المتعثرة وتداعياتها على أوروبا والشرق الأوسط.

على وقع هذا المشهد العالمي، برز الموقف اللبناني، وتحديداً ملف سلاح المقاومة. ففي خطاب لافت، أكد الشيخ نعيم قاسم، نائب الأمين العام لحزب الله، أن سلاح المقاومة خط أحمر لا يمكن المساس به، معتبراً أن أي محاولة لانتزاعه تندرج في إطار المشروع الإسرائيلي – الأميركي لتفكيك لبنان. قاسم شدد على أن السلاح ليس شأنًا داخليًا يُتداول على طاولة الحكومة، بل قضية وجودية مرتبطة باستمرار العدوان الإسرائيلي والخروق اليومية للقرار 1701.

جوهر المعادلة الوطنية
لا يمكن لأي نقاش سياسي في لبنان أنْ يتجاوز حقيقة أساسية: سلاح المقاومة هو جوهر المعادلة الوطنية في مواجهة إسرائيل. هذا السلاح لم يكن يوماً ترفاً عسكرياً أو فائض قوة، بل وُلِدَ من حاجة حقيقية إلى حماية البلد من الاحتلال والاعتداءات المتكررة. إنّ الدعوات إلى نزعه في ظل استمرار الخروق الإسرائيلية للسماء والبر والبحر ليست سوى محاولة مكشوفة لتجريد لبنان من عناصر قوته وتعريضه للانكشاف الكامل أمام عدو لم يتوقف يومًا عن عدوانيته.

المعادلة هنا واضحة: مَنْ يطالب بالتخلّي عن السلاح، قبل أنْ يتوقف العدوان وتتحقّق الضمانات الواقعية، يساهم عن قصد أو غير قصد في وضع لبنان تحت رحمة إسرائيل، فالمقاومة هي التي صنعت التوازن ومنعت العدو من تحويل لبنان إلى ساحة مستباحة.

هذا الموقف يعكس إدراك الحزب أنّ ما يجري على الحدود الجنوبية ليس معزولًا عن الحسابات الكبرى بين واشنطن وموسكو، فكما يرفض بوتين العودة إلى عزلته، يرفض حزب الله أن يتحوّل لبنان إلى ساحة بلا مقاومة. بل أكثر من ذلك، يرى أن أي تفريط بالسلاح في هذه المرحلة قد يفتح الباب أمام مشروع “إسرائيل الكبرى” الذي أعلن بنيامين نتنياهو صراحة ملامحه على منبر الأمم المتحدة.

الحكومة بين الضغوط والوقائع
اليوم، الحكومة اللبنانية تعيش مأزقاً حقيقياً، فهي تتعرّض لضغوط خارجية هائلة، أميركية بالدرجة الأولى، تدفعها إلى تبنّي سياسات لا تنسجم مع حاجات الداخل، غير أنّ هذه الحكومة، وإنْ أرادت الالتزام بقرارات مجلس الأمن حرفياً، فهي تعلم جيّداً أنّ الجيش اللبناني وحده، على أهميته، غير قادر على مواجهة الترسانة العسكرية الإسرائيلية. ومن هنا، فإنّ أي محاولة لفصل دور الجيش عن دور المقاومة تعني دفع البلاد نحو كارثة استراتيجية.

هذا الوضع يطرح دور الجيش اللبناني كعامل توازن داخلي، فالحكومة، تحت الضغط الدولي، تحاول تكليفه بمهام تتعلق بالانتشار ونزع السلاح، في وقت يواجه الجيش اعتداءات إسرائيلية متواصلة، ويعاني من محدودية الدعم السياسي والعسكري. هنا يظهر الخطر الحقيقي: محاولة جرّ الجيش إلى مواجهة مباشرة مع المقاومة، وهو ما قد يشعل صراعًا داخليًا لا يستفيد منه سوى العدو الإسرائيلي.

لكن المطلوب من الحكومة أنْ تتحلّى بالواقعية، وأنْ ترفض إملاءات الخارج التي لا تراعي مصلحة اللبنانيين. القرار حول السلاح هو شأن داخلي صرف، وأي نقاش فيه يجب أنْ يكون على طاولة لبنانية لا في مكاتب المبعوثين الدوليين.
الحريري وتجربة التوازن

وفي هذا السياق، لا بد من التوقّف عند تجربة الرئيس الشهيد رفيق الحريري، الذي رغم أولويته في إعادة إعمار الدولة بعد الحرب الأهلية، أدرك أنّ بناء المؤسّسات لا ينفصل عن حماية السيادة. لذلك لم يتردّد في إدراج المقاومة ضمن البيانات الوزارية، مانحاً إياها شرعية وطنية. كما لعب دوراً محورياً في “اتفاق نيسان” 1996 بعد مجزرة قانا، حين ساهم في تكريس معادلة “المدني في المدني”، مؤكداً أنّ المجتمع الدولي، حين يواجه إرادة صلبة، يضطر للاعتراف بالمقاومة.

هذه التجربة تثبت أنّ الرهان على التوازن بين الدولة والمقاومة ليس مُستحيلاً، بل ممكناً ومُثمراً حين يُدار بحكمة سياسية وشجاعة وطنية.

أما الزيارات الأميركية المتكرّرة إلى بيروت، فليست سوى حلقة في مشروع إقليمي أوسع. فالمبعوثون لا يأتون بدافع الحرص على لبنان، بل حاملين أجندات تتعلق بأمن إسرائيل ومصالح واشنطن في المنطقة. إنّ إدراج الملف اللبناني ضمن سياق الصراعات الإقليمية يحوّل بلدنا إلى ورقة تفاوض، فيما الشعب اللبناني وحده من يدفع الثمن.

من هنا، تكمن خطورة هذه الزيارات في محاولة فرض حلول من الخارج، متجاهلة أنّ لبنان لا يُحكم إلا بتوافق أهله، وما لم يدركه الموفدون أنّ التوازنات الداخلية هي التي تحدد مستقبل البلاد، فإنّ كل محاولاتهم ستبقى محكومة بالفشل.

 

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com