الاستيطان وإرهاب المستوطنين… مشروع إسرائيلي لاقتلاع الفلسطينيين من أرضهم
خاص “مركز بيروت للأخبار”
بقلم: عصام الحلبي
لم يعد ما يجري في الضفة الغربية مجرد اعتداءات متفرقة ينفذها مستوطنون إسرائيليون متطرفون، بل أصبح سياسة إسرائيلية ممنهجة تستهدف الأرض والإنسان معًا، وتهدف إلى إعادة رسم الجغرافيا الفلسطينية وفرض وقائع جديدة على الأرض.
فالمستوطنون يحرقون المنازل والمزروعات، ويقتلعون أشجار الزيتون، ويعتدون على المزارعين، ويقيمون بؤرًا استيطانية جديدة فوق الأراضي الفلسطينية، وينصبون حواجز مسلحة على الطرقات، فيما يقف جيش الاحتلال الإسرائيلي حارسًا لهذه الجرائم، يوفر الحماية للمعتدين ويمنع الفلسطينيين من الدفاع عن أنفسهم أو الوصول إلى أراضيهم.
هذه المشاهد لم تعد استثناءً بل تحولت إلى واقع يومي في عشرات القرى والبلدات الفلسطينية، من مسافر يطا جنوب الخليل إلى قرى رام الله ونابلس والأغوار، حيث تتكرر الاعتداءات على السكان وممتلكاتهم بصورة تكشف أن ما يجري ليس أعمالًا فردية، وإنما جزء من خطة متكاملة لإرهاب الفلسطينيين ودفعهم إلى ترك أراضيهم.
والتصعيد الذي نشهده اليوم ليس وليد الصدفة، بل يأتي في ظل حكومة إسرائيلية تعد الأكثر تطرفًا منذ قيام دولة الاحتلال، وتضم شخصيات لا تخفي نواياها بضم الضفة الغربية وفرض السيادة الإسرائيلية عليها بالكامل. وهي تدرك في الوقت نفسه أن انشغال العالم بالحروب والأزمات الدولية، واستمرار العدوان على قطاع غزة، يتيحان لها فرصة للإسراع في تنفيذ مشروعها الاستيطاني بعيدًا عن أي ضغط دولي حقيقي.
كما أن غياب المحاسبة الدولية شجع المستوطنين على التمادي في جرائمهم، فهم يدركون أن ما يرتكبونه لا يقابل في الغالب سوى ببيانات إدانة أو تعبير عن القلق، بينما يستمر البناء الاستيطاني وتتواصل مصادرة الأراضي دون رادع، الأمر الذي عزز شعورهم بأنهم فوق القانون.
والاستيطان في جوهره ليس مشروعًا سكنيًا كما تحاول إسرائيل تسويقه، بل هو مشروع استعماري يهدف إلى تغيير هوية الأرض الفلسطينية وفرض حقائق جديدة تحول دون قيام دولة فلسطينية مستقلة. فكل بؤرة استيطانية جديدة تعني الاستيلاء على المزيد من الأراضي، وكل طريق استيطاني جديد يعني تقطيع أوصال القرى والمدن الفلسطينية، وكل حاجز يقيمه المستوطنون يعني تضييق الخناق على الفلسطيني ودفعه إلى التفكير بالرحيل.
وهنا يكمن الهدف الأخطر، وهو التهجير القسري. فالاحتلال يدرك أن تهجير الفلسطينيين لا يحتاج دائمًا إلى أوامر عسكرية أو عمليات ترحيل جماعية، بل يمكن تحقيقه عبر خلق بيئة طاردة للحياة. فعندما يخشى المزارع الوصول إلى أرضه، ويصبح الطالب معرضًا للاعتداء في طريقه إلى مدرسته، وتغلق الطرق، وتحرق المحاصيل، ويعيش المواطن تحت تهديد دائم من المستوطنين، فإن الاحتلال يكون قد بدأ بتنفيذ سياسة تهجير صامتة، لكنها لا تقل خطورة عن التهجير بالقوة.
وأمام هذا الواقع يتحمل المجتمع الدولي مسؤولية قانونية وأخلاقية لا يمكن التنصل منها. فالقانون الدولي يعد جميع المستوطنات الإسرائيلية المقامة على الأراضي الفلسطينية المحتلة غير شرعية، وهو ما أكدته اتفاقية جنيف الرابعة والعديد من قرارات الأمم المتحدة، كما أن نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية يعتبر قيام دولة الاحتلال، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بنقل جزء من سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها، أو ترحيل السكان الواقعين تحت الاحتلال أو نقلهم داخل تلك الأراضي أو خارجها من جرائم الحرب التي تدخل في اختصاص المحكمة. ومع ذلك، فإن غياب إجراءات دولية رادعة شجع الاحتلال الإسرائيلي على مواصلة التوسع الاستيطاني، ورسخ لدى حكوماتها وقادة المستوطنين شعورًا بالإفلات من العقاب، رغم استمرار الانتهاكات التي تطال الأرض والإنسان الفلسطيني.
كما أن المسؤولية العربية لا تقل أهمية، فالقضية الفلسطينية تحتاج اليوم إلى تحرك سياسي ودبلوماسي وإعلامي أكثر فاعلية، وإلى دعم حقيقي لصمود الفلسطينيين في القرى والمناطق المستهدفة، وتوفير الإمكانات التي تمكنهم من البقاء في أرضهم إلى جانب تعزيز الجهود القانونية والاقتصادية الهادفة إلى عزل الاحتلال ومحاسبته على انتهاكاته المتواصلة.
أما المسؤولية الفلسطينية، فتبدأ باستعادة الوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام، وتعزيز صمود المواطنين، وتوفير الدعم للمزارعين وسكان المناطق المهددة إلى جانب توثيق جرائم الاحتلال والمستوطنين، وملاحقتها أمام المحاكم الدولية، وتوسيع المقاومة الشعبية السلمية باعتبارها أحد أهم أدوات الدفاع عن الأرض.
إن ما يجري في الضفة الغربية اليوم ليس مجرد توسع استيطاني، بل مشروع متكامل لفرض وقائع جديدة على الأرض، عبر مصادرة الأراضي، وتوسيع المستوطنات، وإرهاب السكان، ودفعهم إلى الرحيل قسرًا. وكل يوم يمر من دون تحرك دولي جاد يعني مزيدًا من الأراضي المصادرة، ومزيدًا من القرى المحاصرة، وتراجعًا إضافيًا في فرص تحقيق السلام العادل والدائم وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.
غير أن الفلسطيني رغم القتل والحصار والاستيطان وإرهاب المستوطنين، ما زال متمسكًا بأرضه وحقوقه، مدركًا أن الدفاع عن الأرض هو دفاع عن الهوية والوجود والمستقبل. ولهذا، فإن كل محاولات الاقتلاع ستبقى عاجزة عن كسر إرادة شعب آمن بحقه في وطنه وقدم من أجل هذا الحق تضحيات جسامًا.
