
بقلم: مبارك بيضون – مدير “مركز بيروت للأخبار”
في لحظة إقليمية متفجرة، ومع استمرار الحرب الإسرائيلية على غزة في أكثر صورها دموية ووحشية، جاءت دعوة المملكة العربية السعودية وفرنسا إلى عقد مؤتمر دولي لدعم حل الدولتين كنافذة سياسية نادرة في زمن تتسارع فيه وتيرة الإبادة، ويعلو فيه صوت السلاح فوق أي منطق أو قانون.
منذ اندلاع الحرب على غزة، بات واضحاً أن ما يجري ليس مجرد صراع عسكري تقليدي، بل عملية تهجير ممنهجة وإبادة جماعية تسعى لتفريغ القطاع من سكانه، وتحطيم كل ما يمثل صمود الشعب الفلسطيني ومقاومته. فالمجازر اليومية، واستهداف المدنيين، وتدمير البنى التحتية، تؤكد أن الهدف ليس “حماس”، بل البيئة المجتمعية والسياسية التي تنبت منها فكرة المقاومة.
رغم ذلك، فشلت إسرائيل – بعد مرور ما يزيد على تسعة أشهر من الحرب – في حسم المعركة، عسكريًا أو سياسيًا. لم تحقق أهدافها، وازدادت انقساماتها الداخلية، وتدهورت صورتها الدولية بشكل غير مسبوق. وبات واضحاً أن الرهان على القوة وحدها لإعادة رسم المشهد الفلسطيني هو رهان خاسر.
من هنا تبرز أهمية المؤتمر الدولي المنتظر. فهو ليس فقط مبادرة دبلوماسية لتفعيل حل الدولتين، بل محاولة جادة لصياغة إجماع دولي يُعيد الاعتبار للشرعية الدولية، ويضع حدًا لسلوك الاحتلال المنفلت، ويمنح الفلسطينيين الحد الأدنى من حقوقهم التاريخية والمشروعة.
لكن أهمية هذا المؤتمر لا تقتصر على دعم الحقوق الفلسطينية، بل تمتد إلى إعادة ضبط الإيقاع الإقليمي برمّته. فاستمرار الحرب على غزة، وتوسّع نطاقها، يُنذر بتحوّل المنطقة إلى ساحة انفجار أكبر، ما لم يتم تدارك الأمور بمبادرات جدّية، ذات غطاء دولي وإقليمي، وقادرة على فرض التهدئة كمرحلة أولى، ومن ثمّ إطلاق مسار سياسي حقيقي.
التحدي الأكبر الذي يواجه هذا المؤتمر، هو مدى القدرة على ترجمة النوايا إلى قرارات، والبيانات إلى سياسات فعالة. فلا يكفي الحديث عن حل الدولتين كصيغة مثالية، بل يجب خلق آليات واضحة لتنفيذه، وضمانات دولية تلزم الاحتلال الإسرائيلي بإنهاء احتلاله للأراضي الفلسطينية، ووقف عدوانه على غزة والضفة الغربية معاً.
إن المؤتمر الذي دعت إليه الرياض وباريس، يشكّل فرصة قد تكون الأخيرة قبل الانزلاق الكامل نحو الفوضى الإقليمية. فهل تتحوّل هذه المبادرة إلى لحظة فاصلة في مسار الصراع، أم تبقى مجرد ورقة في أرشيف المبادرات التي لم تولد؟
في نهاية المطاف، لا سلام من دون عدالة، ولا استقرار من دون إنهاء الاحتلال.
