
كتبت ندى اندراوس في “المدن”:
لم تكن جلسة مناقشة الحكومة و”مساءلتها” في مجلس النواب مجرّد محطة عابرة في عمر حكومة الرئيس نواف سلام، بل شكّلت لحظة سياسية كاشفة لما آلت إليه موازين القوى داخل البرلمان، وللتحوّلات في موقع عدد من الكتل النيابية من الحكومة. ففي حين نالت الحكومة الثقة مجددًا بـ69 صوتًا مؤيدًا، حجبها 9 نواب وإمتنع 4 آخرون، مع تسجيل غيابات عن الجلسة، بدا المشهد مختلفًا تمامًا عن لحظة منحها الثقة بعد مناقشة البيان الوزاري التي حصدت خلالها الحكومة 96 صوتًا.
في هذا السياق، كان موقف تكتل لبنان القوي لافتًا من حيث الشكل والمضمون، إذ قرّر حجب الثقة عن الحكومة بتسعة أصوات، بغياب أربعة نواب من أعضائه. ووفق ما أفادت مصادر قريبة من التيار الوطني الحر لـ “المدن”، لم يكن هذا التباين تعبيرًا عن إرتباك، بل “موقفًا مدروسًا أريد من خلاله توجيه رسالة سياسية واضحة.”
الثقة منقوصة ورسائل مدروسة
توضح المصادر أن رئيس التيار النائب جبران باسيل، وردًا على نصيحة أحد النواب بعدما حجب الثقة بحجة أن الثقة بالحكومة ثابتة، قال: “ما أقوم به مدروس… وبكرا بتشوفوا ليش”. وبحسب المقربين، فإن باسيل أراد أن يُظهر أن الثقة الجديدة لم تكن بحجم الأولى، وأن غياب عدد من النواب عن الجلسة يعكس تضاؤل الغطاء السياسي الشامل للحكومة، ولو لم يُترجم ذلك بشكل مباشر في النتائج الرقمية. وهو يقول لمن جدد الثقة بالحكومة وهو حليف لها أو شريك فيها ورفع الصوت ضدها وإنتقدها وساءلها ولم يحصل على أجوبة ومواقف حاسمة “يعيرنا سكوته من الان فصاعدا. ولنراقب ونتفرج كيف من أعاد تجديد الثقة اليوم أين سيكون في المرحلة المقبلة وتحديدا عشية الانتخابات النيابية في ربيع العام 2026 ، اذا سيبقى في الحكومة أم سيستقيل منها؟”.
وترى المصادر أن الحكومة لم تجدد ثقة متينة، بل حصلت على “ثقة الضرورة”، وأن الحضور النيابي المتراجع يعكس فتورًا سياسيًا تجاه أدائها، خاصة في ظل تصاعد الانتقادات من داخل مكوناتها نفسها.
مفارقة التصويت: بين النقد والدعم
إعتبرت مصادر “لبنان القوي” أن المفارقة الأبرز في الجلسة لم تكن في عدد الأصوات، بل في هوية المصوّتين. فعدد من النواب الذين وجّهوا إنتقادات قاسية للحكومة خلال الجلسة، هم أنفسهم من أعادوا تأكيد الثقة بها. وتوقفت المصادر عند تجديد حزب الله دعمه لحكومة رفعت شعار نزع السلاح وحصرية السلاح بيد الدولة، فيما لا يزال الحزب يرفض تسليم سلاحه ويؤكد تمسّكه به كجزء من معادلة الردع، ما يفتح الباب على تساؤلات جوهرية: ما سيكون عليه موقف الحزب إذا وصلت الحكومة إلى مرحلة مطالبة فعلية بتنفيذ قرارها بنزع السلاح؟ وكيف ستتصرّف إذا اصطدمت بإرادة شركائها في الحكم، أو بصمتهم؟
كذلك فعلت القوات اللبنانية، التي لم تُخفِ إمتعاضها من أداء الحكومة، خاصة في ملف السلاح وغياب الجدول الزمني لتسليمه، وعدم إطلاع مجلس الوزراء على تفاصيل الموقف اللبناني من الورقة الأميركية والرد عليها، وغياب المعايير الواضحة في آلية إتخاذ القرار داخل مجلس الوزراء. ومع ذلك، عادت القوات ومنحت الحكومة الثقة، في مشهد وصفه بعض نواب التيار بعلاقة “الزواج بالإكراه”.
ولعلّ السؤال الأكثر إلحاحًا يبرز في هذا السياق: كيف يقبل وزراء في الحكومة، سبق أن إعتبروا أنفسهم من “الدرجة الثانية”، بالرد الحكومي الذي لم يقدّم أجوبة حقيقية أو إلتزامًا جديًا بتنفيذ ما ورد في البيان الوزاري؟ وأي صدقية تبقى لهذا المشروع الوزاري إذا لم يترجم بقرارات واضحة تتجاوز التوازنات والتسويات الظرفية؟
باسيل: … ثقة بلا مضمون
في كلمته بعد الجلسة، قدّم باسيل عرضًا مفصلًا لخيبات التكتل من أداء الحكومة، مشيرًا إلى أن الأخيرة لم تجب على عشرة أسئلة موجّهة إليها ضمن المهلة الدستورية، ما يشكّل إستهتارًا بمجلس النواب. وقال إن كلمة رئيس الحكومة إحتوت على مغالطات، وإن الخطط التي تحدّث عنها لم تُعرض رسميًا أو تقرّ في مجلس الوزراء.
وإعتبر باسيل أن الحكومة لم تُظهر حتى الساعة أي عمل إصلاحي جاد، بل إنخذت قرارات بمنطق استنسابي وكيدي، وركّزت على تعيينات ذات طابع سياسي. ولفت إلى أن منح الحكومة الثقة مجددًا من قبل من ينتقدها علنًا، يكشف نفاقًا سياسيًا يهدف إلى تسجيل المواقف الإعلامية من دون تحمل مسؤولية فعلية. وأكّد أن تكتل “لبنان القوي” سيواصل “المعارضة الإيجابية والفاعلة” بهدف تصويب الأداء الحكومي، لا سيما في ما يتعلق بملف الإصلاح والتخطيط والشفافية.
هل تصمد الحكومة حتى الانتخابات؟
إنتهت جلسة الثقة، لكن الأسئلة الكبرى بدأت: هل تستطيع حكومة جمعت خصوماً سياسيين حول طاولة واحدة، وتفاوتت مقاربتهم لأبرز الملفات السيادية، أن تحافظ على تماسكها حتى الانتخابات النيابية في أيار 2026؟ وهل يمكن لحكومة سمت نفسها “حكومة الإنقاذ والإصلاح” أن تقنع اللبنانيين بعد مرور أكثر من خمسة أشهر بأنها تسير على هذا الطريق، في وقت لم تسجّل فيه أي خطوات جريئة أو قرارات مفصلية؟
ما بات واضحًا هو أن الحكومة باتت محاطة ببيئة سياسية مضطربة، وغرف داخلية متنافرة. وفي ظل هذه التركيبة الهشّة، تزداد الشكوك حول قدرتها على الاستمرار كحكومة “فعل”، لا حكومة “إستمرار بالحد الأدنى”، في مرحلة تُعدّ الأشد دقة في تاريخ لبنان الحديث.
