
بقلم: مادالينا شيلانو – روما
في زمن تتسارع فيه خطى التصعيد وتُختزل فيه التعقيدات الجيوسياسية بلغة السلاح، تبرز إيران كلاعب إقليمي يحاول التمسك بخيوط الحوار رغم وابل الضربات. ما بين الدفاع عن السيادة والسعي لتفادي حرب لا رجعة فيها، تُعيد طهران طرح معادلة قديمة: الرد بلا انغلاق، والانفتاح بلا خضوع. وبين ضجيج المعارك في الشرق الأوسط، تبقى الدبلوماسية – مهما بدت مستبعدة – الخيار الأقل كلفة والأكثر عقلانية.
وسط تصعيد عسكري غير مسبوق، وبعد أيام من الاشتباكات مع إسرائيل، واجهت إيران هجمات أميركية استهدفت مواقعها النووية الحساسة في فوردو وأصفهان ونطنز. ووصفت المتحدثة باسم الحكومة، فاطمة مهاجراني، الأضرار بأنها “كبيرة”، مؤكدة أن طهران تقيّم الأبعاد الاستراتيجية للهجوم. لكنها أضافت بصيغة لافتة: “لم يُتخذ قرار نهائي بشأن المحادثات مع الولايات المتحدة.” تصريح بسيط، لكنه كافٍ للإشارة إلى أن أبواب الحوار لم تُغلق بالكامل.
بالنسبة لإيران، لا تنفصل هذه الضربات عن مشروعها للسيادة. هي ترى أن الهجمات ليست سوى محاولة لتقويض استقلالها العلمي والدفاعي، وتعتبر أن برنامجها النووي مشروع وسلمي. وبينما تُخضع منشآتها لتفتيش وكالة الطاقة الذرية ضمن معاهدة حظر الانتشار النووي، تجد نفسها محاصرة بعقوبات سياسية واقتصادية، وموضوعة تحت تهديد مستمر، في تناقض صارخ مع مبدأ المعايير المتساوية في التعامل الدولي.
في طهران، يُنظر إلى هذه السياسات الغربية كجزء من اختلال بنيوي في النظام العالمي. فالدول الحليفة للغرب تطوّر برامجها العسكرية بحرية، بينما تُعاقَب دول أخرى فقط لأنها اختارت مساراً مستقلاً. لا يُسأل المعتدون عن مدى التزامهم بالقانون الدولي، ولا تُحاسب الدول التي تنتهك سيادة الآخرين. هذا الواقع لا يقوّض الثقة فحسب، بل يهدد بإخراج التفاوض من دائرة الفعل السياسي نحو منطق الفرض والإملاء.
رغم لهجة التحدي في الخطاب الإيراني، فإن طهران تدرك أن الحرب الشاملة لا تصبّ في مصلحتها ولا في مصلحة المنطقة. لذلك تتبنى سياسة الردع المدروس والانفتاح المشروط، في توازن دقيق بين الصلابة والمرونة. وتستند هذه المقاربة إلى شبكة تحالفات إقليمية عابرة للحدود، من العراق وسوريا إلى لبنان، وإلى انخراط أوسع في محاور الجنوب العالمي، مع روسيا والصين وأميركا اللاتينية، كبديل عن التبعية للغرب.
من خلف الأنقاض والدخان، لا تزال إيران ترسل إشارات بأنها مستعدة لحوار قائم على الندية، لا على الإملاءات. مسؤولية التقاط هذه الإشارات تقع اليوم على عاتق العواصم الغربية، وخصوصاً واشنطن. فالعقوبات لم تُغيّر سلوك إيران، والضربات لم تُنتج سلاماً. وحدها الدبلوماسية الصبورة، التي تعترف بحقوق جميع الأطراف، يمكن أن تُخرج المنطقة من دوائر التصعيد المستمر.
الشرق الأوسط لا يحتاج إلى مزيد من الحرائق، بل إلى لحظة شجاعة تُعيد الاعتبار للسياسة، وتُبقي الباب مفتوحاً أمام لغة العقل، لا فوهات البنادق.
