بين الرسالة والرواية: الإعلام اللبناني والعربي في اختبار المخيم الفلسطيني

تحقيق: عصام الحلبي

عين الحلوة: حين تنفجر الصورة وتنكفئ الرواية

مع اندلاع الاشتباكات في مخيم عين الحلوة صيف 2023، تسابقت وسائل إعلام لبنانية وعربية إلى تغطية الحدث. انتشرت لقطات الدخان وصوت الرصاص على الشاشات، وتكرّرت توصيفات من قبيل “القلعة الخارجة عن القانون” و”الخطر الداهم”. غير أن هذا السيل البصري المحموم غطّى على الأسئلة الجوهرية: من يعيش في هذا المخيم؟ كيف تؤثر الاشتباكات على حياة عشرات الآلاف من المدنيين؟ وما الذي يُخفيه تكرار هذا المشهد العنيف في السردية الإعلامية؟

عين الحلوة لم يكن فقط ساحة اشتباك، بل مرآة لأزمة إعلامية أعمق: انعدام المنهج، واختزال الإنسان في لحظة انفجار، وتغييب الرواية لحساب الرسالة الأمنية.

تغطية أمنية بحتة… الإنسان خارج الصورة

اجرى مركز مدى للتنمية الإعلامية في بيروت رصدا لتغطية خمس قنوات لبنانية كبرى خلال الفترة من 29 تموز إلى 5 آب 2023، أظهر أن أكثر من 80% من المواد الإخبارية ركزت على زاوية واحدة: “الخطر الأمني” و”نزوح السكان” و”تهديد الأمن العام”.
لكن وسط هذه العناوين الحمراء، غاب الإنسان. لم تظهر الطفلة التي تركت لعبتها وهربت من القصف، ولا العائلة التي احتمت في مسجد بلا ماء، ولا الطالب الذي خسر امتحاناته للمرة الثالثة على التوالي. اختُزل المخيم إلى جغرافيا توتر، وفُقِد البُعد الإنساني الذي يُفترض أن يكون في صلب أي تغطية مهنية.

من خارج المخيم: تغطيات عمياء بنوايا صادقة

غالبًا ما تُنفذ التغطيات الإعلامية من خارج المخيمات، بفعل عوامل أمنية أو سياسية أو حتى لوجستية. وفي كثير من الأحيان، تعتمد الرواية الإعلامية على مصادر ثانوية أو “روايات واتسابية” – رسائل تتناقلها مجموعات مغلقة دون تحقق أو تدقيق.
وبالتالي، حتى حين تكون النوايا الإعلامية صادقة، تبقى الصورة مشوّشة، والرسالة ناقصة. الأسوأ من ذلك، أن غالبية التغطيات لا تهتم سوى بتأطير المخيم في “خانة التهديد”، دون النظر إلى الحياة اليومية فيه، وهموم الناس، وصراعاتهم مع الفقر والإقصاء.

الصورة تلتهم الحياة… والمخيمات لا تُرى إلا في النار

في التغطيات الإعلامية، تحضر المخيمات الفلسطينية حين تندلع الاشتباكات، وتغيب حين تنبض بالحياة. لا تظهر معاناة الناس مع انقطاع الكهرباء المزمن، ولا مع ظروف السكن القاسية، أو مع الحرمان من أبسط الحقوق الانسانية وحق العمل والتملك.
في ذروة الاشتباكات، لم تُذكر حالات مرضى السرطان أو القلب الذين لم تصلهم أدويتهم بسبب الحصار المؤقت. لم يُسلَّط الضوء على الأطفال الذين أمضوا لياليهم في الملاجئ، ولا على العجائز الذين بقوا بلا دواء أو رعاية.

ثقافة محجوبة… ومواهب خارج العدسة

بعيدًا عن مشاهد السلاح، تزخر المخيمات الفلسطينية في لبنان بمبادرات ثقافية وإبداعية. في عين الحلوة، نظّم الرسّام الفلسطيني أسامة زيدان معرضًا للوحاته على شاطئ صيدا عام 2015، مستلهِمًا النكبة والحنين. لكن هذه الفعالية، رغم رمزيتها وعمقها، لم تحظَ بأي تغطية إعلامية.
يقول أحد الحاضرين آنذاك:

“لم تأتِ أي وسيلة إعلام لتغطية المعرض، رغم أنه كان فعالية مميزة في ذكرى النكبة، بحضور شباب وأطفال من المخيم.”
ولا يقتصر الأمر على أسامة، فهناك عشرات الشعراء والمسرحيين والموسيقيين من أبناء المخيمات، يُنتجون أعمالًا فنية راقية، لكنهم يبقون في الظل، لأن العدسة لا ترى إلا الدخان.

من رمز النكبة إلى وصمة أمنية

في الرواية الأصلية، المخيم الفلسطيني ليس عبئًا، بل رمزًا. هو شاهد حيّ على جريمة التهجير القسري عام 1948، وعلى استمرار النكبة في وجوهها اليومية. لكن في التغطيات الإعلامية، يتحوّل إلى مجرّد “منطقة ساخنة”. يُمحى سياقه السياسي، ويُعزل عن تاريخه الوطني، ويُختزل في لغة أمنية تُفرغه من معناه.
تقول الباحثة رلى عبد العال من مؤسسة الدراسات الفلسطينية:
“حين يُمحى المخيم من سياقه التاريخي والسياسي، يُصبح بلا معنى. هو ليس بقعة جغرافية، بل ملف حيّ لقضية لم تُحل.”

أزمة سردية… لا مجرّد خلل في التغطية
ما تكشفه تغطيات المخيمات لا يقتصر على التحيّز أو القصور المهني، بل يعكس أزمة سردية، اختزال المخيم إلى مشهد، لا إلى حكاية. إلى لحظة، لا إلى سيرة.
المخيم ليس استثناءً خارج الجغرافيا، بل مركزًا يكشف تقاطع أزمات السياسة واللجوء والتهميش في لبنان. تجاهله أو تشويهه، لا يُضلل الجمهور المحلي فقط، بل يُضعف فهم المجتمع الدولي لتعقيد القضية الفلسطينية، ويُعيد إنتاج اللاجئ الفلسطيني كـ”رقم” في نشرة الأخبار، لا كإنسان يحمل حقًا وهوية وقضية.

نحو عدسة ترى الرواية… لا فقط اللحظة

في زمن الصورة السريعة والعناوين الفورية، يصبح الامتحان الحقيقي للإعلام هو عمق الرواية لا سرعة النشر. المخيمات ليست فقط مساحات للاشتباك، بل فضاءات للنجاة والكرامة.
الإعلام – إن أراد أن يكون شريكًا في الحقيقة و العدالة – عليه أن يُعيد للناس وجوههم، ولروايتهم سياقها، وأن يرى الإنسان قبل أن ينقل المشهد.

المصادر:

مركز مدى للتنمية الإعلامية – بيروت: تقرير “تحليل التغطية الإعلامية لأحداث عين الحلوة”، أغسطس 2023

مقابلات ميدانية مع متطوعين وناشطين في مخيم عين الحلوة، تموز – أيلول 2023

تقرير موقع “لاجئ نت” حول معرض الفنان أسامة زيدان – أيار 2015

مؤسسة الدراسات الفلسطينية – مقالات ومقابلات أرشيفية 2022–2024

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com