
كتب عصام الحلبي
في عالم تتقاطع فيه المأساة مع الإبداع، يقف الفنان التشكيلي والروائي الفلسطيني السوري هيسم شملوني شاهدًا على زمن المنفى، وحارسًا لذاكرة فلسطينية جياشة. من دمشق التي وُلد فيها عام 1968، إلى سجون النظام السوري، وصولًا إلى فضاء فرنسا، بقي شملوني وفيًّا للفن كوسيلة للتعبير ومحاكاة الواقع، وللكلمة كنبضٍ حميم يروي بوح الروح ونبض القلب وتفاصيل المنفى والغربة.
من زنزانةالقمع إلى أفق الحرية
سُجن شملوني مرتين في سوريا، وكانت التجربة القاسية في سجن صيدنايا لحظة مفصلية في حياته الشخصية والإبداعية. لم يكن السجن بالنسبة له مجرد عقوبة، بل مختبرًا ثقافيًا وإنسانيًا، حيث التقى بعدد من المفكرين والفنانين والمثقفين المعتقلين، وكان لهذا التفاعل العميق أثر بالغ في صقل موهبته وتأكيد التزامه بالحرية كقيمة وجودية وفكرية.
ريشة المنفى وقلم الغربة
شملوني ليس فنانًا تشكيليًا فحسب، بل روائي وكاتب حمل في وجدانه هوية الفلسطيني ، وعبّر عنهما بصريًا وكتابيًا.
روايتين قيد الاصدار :
“سماء رمادية ظل باللون الأصفر”
“بوح من دفاتر الغربة”
في رواياته، كما في لوحاته، يستعيد شملوني مشاهد المنفى، ويصوغ من القسوة جمالًا سرديًا يعبر عن تمزق الهوية، وحياة اللاجئ الفلسطيني في مخيمات الشتات” مخيم اليرموك” وضياع الجذور. كتابته تنبض بالشعرية، لكنها لا تخلو من الألم والقلق والتأمل في المصير الفردي والجمعي معًا.
الفن كهوية وطنية وثقافية مقاومة
يقيم شملوني حاليًا في فرنسا، حيث يواصل مشواره الفني والأدبي، مشاركًا في المعارض، ومندمجًا في المشهد الثقافي الأوروبي، دون أن يفقد البوصلة الفلسطينية في أعماله.
تعكس لوحاته مزيجًا من الرمزية والتجريد، وتنهل من الذاكرة الجماعية الفلسطينية.
في المقابل، تأتي كتابته الروائية كامتداد لما لم تقله الريشة، كأن الكلمة والصورة يتبادلان الأدوار في التعبير عن الحنين، والاغتراب، والرغبة المستمرة في العودة.
أدب المقاومة الصامتة
لا يصرخ شملوني في أعماله، بل يهمس بحكمة المجروح، مستحضرًا تفاصيل الحياة الصغيرة، وآثار النفي والسجن على الروح الإنسانية. إنه من أولئك الكتّاب الذين يحملون الوطن في جروحهم، لا في شعاراتهم، ويبدعون من قاع الألم ما يمكن أن يكون مدونة إنسانية خالدة.
هيسم شملوني اليوم ليس فقط فنانًا تشكيليًا أو روائيًا أو لاجئًا في فرنسا؛ بل هو شاهد على زمنين: زمن القهر، وزمن الفن. وفي الحالتين، لم ينسى قضيته، بل حملها إلى العالم بريشة وقلم… وموقف.
