الإسلاميون ونهاياتهم الخائبة... من التحشيد والجهاد إلى التطبيع

كتب طارق قبلان:

لا يبدو أن المعلومة التي أوردتها وكالة “رويترز” الإخبارية، ونسَبَتها إلى 5 مصادر، بشأن لقاءات مسؤولين سوريين حاليين مع مسؤولين من الكيان الصهيوني، فاجأت أحداً من المهتمّين والمراقبين، بل لم تستدعِ منهم موقفاً عنيفاً؛ فالأخبار بهذا الشأن تكاد تكون يوميّة، والمسؤولون السوريون في السلطة الجديدة لا يُنكرون الأمر ولا يستنكرونه، في الوقت الذي يؤكّدون “سلميّتهم” تجاه الكيان الصهيوني، بالرغم من مرجعيّهتم الإسلاموية المفترضة، واتهاماتهم السابقة لنظام البعث ورئيسه بشار الأسد بالتواطؤ مع العدو وتخلّيه عن مرتفعات الجولان!

والأدهى أن السلطة الجديدة فتحت المجال أمام قوات الاحتلال لتتقدّم في محافظة القنيطرة وريف دمشق، عدا عن السويداء، وأوكلت أمر التواصل مع الصهاينة إلى محافظ القنيطرة والقائد العسكري أحمد الدالاتي.
والمفارقة أنّه مع كل ارتفاع لأصوات التضامن مع الأقصى وفلسطين من إسلامويي العالم العربي والإسلامي يشتدّ أمر التطبيع، من دون خوف أو وجل من الله الذي يعبدونه، فيما التيارات العروبية واليسارية لا تزال أشدّ تعلّقاً بعدالة القضيّة الفلسطينية.

المغرب… رابع الدول العربية تطبيعاً
يُسجّل في المقام أيضاً أن مرجعيّة كثيرين من هواة التطبيع إسلاموية، من مثل رئيس الحكومة المغربية، سعد الدين العثماني، الذي أحنى رأسه يوم 10 كانون الأول 2020، تنفيذاً لأوامر الملك المغربي محمد السادس بالتوقيع على اتفاق تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني، والذي جرى التوصل إليه بوساطة من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
لاحقاً، جلس العثماني، الذي يترأس النسخة المغربية من “العدالة والتنمية”، إلى جانب كلٍّ من جاريد كوشنير، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ومعه مستشار الأمن القومي الإسرائيلي مئير بن شابات، خلال استقبال الملك محمد السادس للوفد الأمريكي – الإسرائيلي في الرباط.

في مجتمع سياسيّ سليم، لن يكون أفدح من توقيع العثماني على اتفاق التطبيع، ولا أخيب من هذا العمل سياسياً ورمزياًلحزب وشخصية إسلاموية لطالما نادت بالقضية الفلسطينية كقضية أممية إسلامية عادلة، وربطتها بمسرى الرسول محمد (ص)، خصوصاً أن العثماني لم يجد الكثير ليبرّر به موقفه الخائب، فتحدّث عن الوحدة الترابية للمغرب، مشيراً إلى ضرورات سياسية وإكراهات الموقع الرسمي.

وفي تعليق لأحد الكتّاب المغاربة على الواقعة، التي قصمت ظهر الحزب الإسلامي، كتب عبد الرحيم التوراني متهكّماً على حراجة الموقف: “يقول أحد اليساريين الشامتين من حزب النهج الديمقراطي الماركسي، تعليقاً على ما يحدث في البيت الإسلامي: “لعل السياسي والطبيب نفسي والباحث والفقيه سعد الدين العثماني، وهو على موعد قريب مع أعضاء حزبه في الأسبوع الأخير من هذا الشهر، في إطار هيئات الحزب المركزية، سيلجأ إلى تفسير السياسة بالإشارات، وبدل فلسفة الدلالات السيميولوجية، ربما سيلجأ إلى مفردات لغة الصم البكم، وهي لغة إشارة بحق، إذا لم يحالفه الاقتباس من سيرة الرسول محمد وصلته بيهود الجزيرة العربية، أو الاقتباس من مجلدات التراث الإسلامي، وفي مقدمتها كتاب: “السياسة أو الإشارة في تدبير الإمارة، ويليه النهج المسلوك في سياسة الملوك، ويليه نهاية الرتبة في طلب الحسبة”.

تونس… النهضة والموقف الإشكالي من التطبيع
الحال في تونس محتلف عنه المغرب، حيث لم تتوقف “حركة النهضة” ذات المرجعية الإسلامية عن تأكيد رفضها للتطبيع مع الكيان الصهيوني، لكنها منذ وصولها إلى السلطة في سنة 2011، لم تبذل جهداً بصفتها “الحزب الحاكم”، وفي أكثر من مناسبة، لإقرار مشاريع قوانين تجرم التطبيع مع الكيان الصهيوني، خلال ثلاث دورات نيابية، ولا سيما مشروع القانون الذي تقدّمت به الكتلة الديمقراطية من رئاسة المجلس، سنة 2020، من دون أن يقوم رئيس المجلس النيابي الأستاذ راشد الغنوشي بعرضه في جلسة علنية من أجل مناقشته والتصويت عليه؛ مما يعني أن الحزب الإسلامي الأبرز والحاكم ترك البلاد منفتحة على رياح التطبيع، قبل أن تنقلب الأمور ويتسلّم السلطة الرئيس الحالي قيس سعيّد.

تركيا أردوغان… علاقات مع الكيان وتجارة
أما على مستوى العالم الإسلامي، فإن تركيا برئاسة رجب طيب أردوغان لم تتوقف عن مهاجمة الكيان الصهيوني ولا عن تهديده بالمحاسبة جراء هجومه القاتل على قطاع غزّة، من دون أن نرى أثراً عملياً لكل تلك التهديدات. وفي الوقت الذي يطرح أردوغان نفسه زعيماً إسلامياً إزاء الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومرشدها، لم يتورّع عن متابعة التطبيع مع الكيان الصهيوني كأن أمراً لم يحصل، فتابع إمداده بالنفط والمنتجات الزراعية… في محاولة لإحباط الحصار الذي فرضته القوات المسلّحة اليمنية على واردات الكيان عبر البحر الأحمر؛ وذلك بالتوازي مع تسهيلات عدد من الدول العربية الدائرة في الفلك الأمريكي.

هل يتّجه لبنان إلى الانتظام في قطار التطبيع؟
يبدو أن كلمة السرّ الخاصة بالتطبيع السياسي بين لبنان والكيان الصهيوني بدفع من بعض الدول العربية هي “القطار”، الذي يشدّد على ركوبه عددٌ من وزراء لبنان، بذريعة تشجيع الاستثمارات والانفتاح على عالم التكنولوجيا، من دون أن يعلنوا صراحة أن الكيان الصهيوني شريك في قيادة القطار إن لم يكن القائد الفعلي؛ وما غاية القطار إلا سيادة الكيان في الشرق الأوسط الجديد. لكن الأمور في لبنان ليست بسيطة، وهو ليس كأيّ دولة عربية أخرى في تنوّعه وبأس أبنائه التاريخي، وفيه مقاومة باسلة، بذلت خيرة شبابها في المواجهات، وهي على أهبة الاستعداد لأي حرب تُفرض عليه، ولن يكون هيّناً على الصهاينة والمطبّعين إجبارها على الاستسلام.

من أسفٍ أن التطبيع والاستسلام لم يعد منقصةً لعدد من المنهزمين بل أصبح فخر كثيرٍ من العرب والمسلمين، خصوصاً من الإسلامويين، الذين يبدون بأساً ضد أهل أوطانهم، ويُدلون إلى أعدائهم بالسلام، كأنهم لم يسمعوا كلام الله حيث يقول:
أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تُتۡرَكُواْ وَلَمَّا يَعۡلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ مِنكُمۡ وَلَمۡ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَا رَسُولِهِۦ وَلَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَلِيجَةٗۚ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ﴾ ]التوبة:[16.

 

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com