
كتب طارق قبلان:
يوشك الاقتراع في الانتخابات البلدية في لبنان على الانطلاق متأخّراً ست سنوات، بل سنة إضافية بالـ”زعبرة”، وزيادة عليها سنة أخرى إكرامية من المجلس النيابي لكثير من البلديين الفالحين، لتُصبح المدة تسع سنوات تامّات، في حساب النظام اللبناني وسلطاته الفاسدة. ثم بعد الذي حصل، وبعد بزوغ فجر “الدولة السعيدة”، تصدمنا المفاجأة -ولا مفاجأة في لبنان- أن ينبري أرباب الحفاظ على الدستور والقانون آنفاً، من شراذم المجتمع المدنيّ، ليُطالبوا بالتأجيل لغايات لا تبدو بالبساطة التي أعلنوها، في الوقت، الذي يصرّ فيه أرباب التأجيل المعهودون على إجراء الانتخابات أياً يكن الثمن!
لكن فريقاً ثالثاً -على محدودية عدده- هو من المحبّذين للتأجيل، وأفراده نخبويون يطالبون بالإصلاح القانوني للبلديات، كتقليص عدد البلديات لصالح تحقيق الفاعلية الإنمائية والإدارية، ونقل صلاحيات رئيس المجلس البلدي إلى المجلس أجمع، تأميناً لحسن سير العمل وانتظامه، وحرصاً على نشر السلطة، خصوصاً أن التجربة أظهرت أن رئيس البلدية كثيراً ما تَعقُد له السياسةُ صفقةً مع القائمقام أو المحافظ، فترى أمورَه تجري بسلاسةٍ متناهيةٍ، بغضّ النظر عن طبيعة معاملاته وقيوده، فساداً وإدارة.
صحة التمثيل بين القيدِ وممارسة النشاط الحياتي
لا يضمن القانون البلدي الأكثري اليوم صحة التمثيل، وعدالته، ولا إنتاجيته. فالقانون البلديّ قائم على الأكثرية التي تلغي الأقلية -مهما بلغت- كليّاً، فلا نسبة تمثيلية، ولا مجلس ظلّ، ولا تشاور… ومَن يفز بـ 51 % من المقترعين يحصل على البلدية بكلّها وكلكلها، وينفتح له صندوقُها، ويجري بأمره ختمُها.
كذلك الأمر في اعتلال التمثيل حين يُحرم أبناءُ البلدة والمدينةِ من التصويت، ولا يشفع لهم سكنٌ أو دفعهم ضرائب ورسوماً، إلا إذا نُقلت قيود نفوسهم إلى مكان الانتخاب؛ ولا تُنقل إلا بضغط سياسي وتوازنات مذهبية. لكن هذا الحرمان لفئةٍ من الناخبين والمواطنين قد يكون خياراً لآخرين، من الذين يُستخدمون أدواتٍ انتخابية لصالح قوى ساسية، مستغلّين تحدّرهم من أجداد أو آباء كانوا يسكنون المحلّة؛ ولا ميزة لهم غير ذلك.
القانون الانتخابي والديمقراطية
يواجه القانون البلدي أيضاً تحدّياً ديمقراطياً في احتساب التصويت على أساس طائفي على غرار ما هو حاصل على المستوى النيابي، إذ يصرّ المسيحيون على المناصفة في العضوية، ضمن مجلس مدينة بيروت البلدي، من دون اعتبار للعدد.
وقد تعدّى الأمر مدينة بيروت ومدينة طرابلس ليصل إلى القرى الأصغر عدداً وحجماً كقرية المغيري في قضاء جبيل، التي رفض أبناؤها من الطائفة المارونية المشاركة في العملية الانتخابية بسبب عدم احترام المناصفة، وفق قولهم.
تأتي طائفية العضوية البلدية لتزيد من عمق الأزمة التمثيلية في لبنان، بعد طائفية التمثيل النيابي، وطائفية الوظيفة العامة على جميع مستوياتها؛ وليست قضية مآمير الأحراج والتملّك في بلدية الحدت منّا ببعيد…
ولا يفوتنا في نقض ديمقراطية الانتخابات البلدية ما نشهده من جموح نحو التزكية التمثيلية، لا عن قناعة -وفي المجتمع كثير من الطامحين والفاعلين والناشطين- بل بفعل إرادات عليا ترى الأفضل لمصالحها الأوليغارشية بأن تضع “بلديون قدّ الإيد” في المناصب التنفيذية، بدل المماحكة مع كوادر نقدية، ذات طموح تنموي، ومستقلة عن الأجندات الشخصية والمصالح الضيقة للهرم الحزبي.
التنموي والسياسي في العمل البلدي
يَعيبُ العملُ البلدي المعاصر، الذي كرّسته القوى السياسية المهيمنة منهجاً، غياب المنحى التنمويّ، إذ لا يفهمُ البلديةَ، في الأعم الأغلب، الجمهورُ والمنتخبون غير طرقات وزفت وحيطان دعم في غفلة تامّة عن الإنتاج والتربية والصحة والثقافة… وسائر ميادين التنمية ومفرداتها.
ما يعزّز الحالة الآنفة الذكر اطمئنان المنتخبين إلى دعم القوى الحزبية التي يخترقها الفساد بتأثير إواليات تمثيلية تحرم المواطن من المحاسبة، فتجعلها بأيدي المسؤولين الحزبيين؛ فإذا استحصل المنتخب على رضا المسؤول -ببساطة- فقد ضمن الرضا الحزبي، وأعاد نفسه إلى سدّة المسؤولية ولو ارتكب المحرّمات وأفسد، من دون تأثير الناخبين، لأن الماكينة الحزبية ستتكفّل بكل العمليات اللوجستية والإجراءات والأفلام الانتخابية لضمان اقتراع الناخبين.
كيف يضمن المنتخَبُ تأييد المسؤول الحزبي؟
بإمكانه تنظيم احتفالات في المناسبات الخاصّة بالتيار السياسي أو الحزب، ثمّ إرخاء الأقفال عن الصندوق البلدي، فيصرف منه ما يشاء على المناصرين، والفاشلين من الأنصار كيلا يتحمّل أعباءَهم الحزب، في الوقت الذي يُحرم فيه أبناء المجتمع المحليّ في البلدة والمدينة من عائدات الصندوق البلدي وخطط السلطة المحلية.
أما الإنتاجية فليست منظورة في القانون البلدي، فجلّ ما هو مطالب به العضو البلدي ورئيس المجلس بعض الأمور الروتينية… وكان الله يحبّ المحسنين.