لبنان بعد نيويورك.. واشنطن تضغط وتنتظر والجنوب يغيّر قواعد التفاوض
خاص مركز بيروت للأخبار
دخل الملف اللبناني مرحلة جديدة بعد زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى نيويورك، وسط انطباع رسمي لبناني بأن الولايات المتحدة لم تتخلَّ عن متابعة الوضع اللبناني، لكنها باتت تنظر إليه ضمن المشهد الإقليمي الأوسع، بما يجعل مسار الانسحاب الإسرائيلي وحصر السلاح بيد الدولة مرتبطين بتطورات أمنية وسياسية تتجاوز الحدود اللبنانية.
وتتقاطع هذه القراءة مع الموقف العلني الذي عبّر عنه سلام خلال وجوده في نيويورك، إذ شدد أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة على أن الدولة اللبنانية وحدها تتحدث باسم لبنان وتفاوض عنه، وعلى ضرورة حصر السلاح وقرار الحرب والسلم بيد الدولة، بالتوازي مع المطالبة بالانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية.
بحسب المصدر الحكومي، عاد الوفد اللبناني من نيويورك بانطباع بأن المرحلة المقبلة قد تكون أقرب إلى الضغط والانتظار بدل التسوية السريعة، في ظل استمرار الضغط العسكري الإسرائيلي جنوبأً مع إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة.
وتتمحور العقدة الأساسية حول كيفية الانتقال من «اتفاق الإطار» إلى خطوات عملية ومتبادلة على الأرض.
وتريد بيروت، وفق المصدر، صياغة معادلة تقوم على انسحاب إسرائيلي واضح بالتوازي مع انتشار الجيش اللبناني وبسط سلطة الدولة، وصولًا إلى ترتيبات أمنية وعسكرية تكون فيها الدولة صاحبة القرار الحصري في الجنوب.
لكن الخلاف الأساسي يبقى في ترتيب الخطوات: هل يبدأ المسار بانسحاب إسرائيلي يفتح المجال أمام الجيش اللبناني؟ أم يجب على لبنان أولًا إثبات قدرته على ضبط الوضع الأمني ومنع عودة البنية العسكرية لحزب الله، قبل حصول انسحاب إسرائيلي إضافي؟
وكان سلام قد أكد في خطابه أمام الجمعية العامة أن لبنان دخل في مفاوضات مع إسرائيل برعاية أمريكية، داعيًا إلى ترجمة «اتفاق الإطار» ضمن آلية وجدول زمني واضحين. كما شدد على ضرورة تجنب الفراغ الذي قد ينتج عن انتهاء مهمة اليونيفيل من دون الاتفاق على قوة دولية جديدة.
بيروت تحاول تعديل معادلة التفاوض
بيروت تحاول تعديل معادلة التفاوض
يحاول الموقف اللبناني إعادة بناء المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية على أساس التنفيذ المتبادل، بحيث لا يتحول ملف حصر السلاح إلى مسار منفصل عن الانسحاب الإسرائيلي وإعادة السكان وإعادة الإعمار.
ووفق المصدر الحكومي، تسعى بيروت إلى منع اختزال المسار كله في سؤال واحد هو: ماذا ستفعل الدولة اللبنانية تجاه سلاح حزب الله؟
في المقابل، تريد الحكومة ربط الإجراءات اللبنانية بخطوات إسرائيلية مقابلة، بحيث يؤدي انتشار الجيش وتوسيع سلطة الدولة إلى انسحاب إسرائيلي واضح ومحدد، مع وجود آلية أمريكية أو دولية للتحقق من تنفيذ الالتزامات ومنع عودة القوات الإسرائيلية إلى المناطق التي تنسحب منها.
وهذه النقطة تتصل مباشرة بموقف سلام المعلن في نيويورك، إذ ربط بين استعادة الأرض وانسحاب القوات الإسرائيلية، وعودة السكان، وعودة الحياة إلى البلدات والقرى الجنوبية، إضافة إلى إعادة الإعمار.
ثلاثة ملفات حملها سلام إلى نيويورك
ثلاثة ملفات حملها سلام إلى نيويورك
بحسب المعطيات الواردة في التقرير، حمل سلام إلى نيويورك ثلاثة ملفات مترابطة:
دعم الجيش اللبناني وتعزيز قدرته على بسط سلطة الدولة.
مستقبل اليونيفيل والجهة الدولية التي يمكن أن تتولى بعض مهام المراقبة بعد انتهاء المهمة الحالية.
حصر السلاح والتفاوض مع إسرائيل وآلية الانتقال من الإطار السياسي إلى إجراءات عملية.
وتحظى مسألة اليونيفيل بأهمية خاصة، بعدما نص قرار مجلس الأمن 2790 لعام 2025 على إنهاء عمليات القوة في نهاية عام 2026 وبدء انسحابها تدريجيًا، مع تكليف الأمين العام باستكشاف خيارات لمواصلة تنفيذ القرار 1701. وقد شدد سلام رسميًا على ضرورة تجنب حدوث فراغ في الجنوب.
الجنوب يتحرك أسرع من الدبلوماسية
الجنوب يتحرك أسرع من الدبلوماسية
تواجه بيروت مشكلة إضافية تتمثل في تغير الوقائع الميدانية بوتيرة أسرع من المفاوضات السياسية.
وتزداد أهمية هذه المسألة مع اقتراب انتهاء مهمة اليونيفيل بصيغتها الحالية، إذ لا يتعلق الأمر فقط بإعادة تنظيم مهمة القوة الدولية، وإنما بالسؤال عن الجهة التي ستراقب الوضع في الجنوب، وكيف سيكون انتشار الجيش اللبناني، وما طبيعة أي وجود دولي يمكن أن يأتي بعدها.
وخلال لقاءاته في نيويورك، شدد سلام على أهمية إيجاد صيغة دولية تمنع الفراغ وتواصل مهام المراقبة والإبلاغ والتواصل، وتدعم الجيش اللبناني في بسط سلطة الدولة. كما بحث هذه المسألة مع رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، الذي أكد استمرار دعم بلاده للبنان واستقراره.
ولا تتعلق المشكلة فقط باسم القوة المقبلة، بل بصلاحياتها وقدرتها على العمل في منطقة شديدة الحساسية، خصوصًا إذا بقيت العمليات الإسرائيلية مستمرة أو بقيت احتمالات الاحتكاك مع حزب الله قائمة.
ماذا بعد اليونيفيل؟
ماذا بعد اليونيفيل؟
تتعامل بيروت مع انتهاء مهمة اليونيفيل باعتباره تحولًا استراتيجيًا يستوجب ترتيبات مسبقة، وليس مجرد انتهاء لمهمة دولية.
وتطرح المعطيات أفكارًا بشأن وجود دولي أو أوروبي يتولى وظائف المراقبة والتحقق ومساندة الجيش اللبناني، لكن تطبيق أي صيغة جديدة يحتاج إلى توافق سياسي وأمني واسع.
وفي كلمته أمام الجمعية العامة، قال سلام إن لبنان أخذ علمًا بقرار مجلس الأمن 2790، وشدد على أهمية العمل على تجنب الفراغ الذي قد يحدثه انسحاب اليونيفيل من دون الاتفاق على قوة دولية جديدة تحل مكانها وتضمن استمرار مهام المراقبة والإبلاغ والتواصل.
وهذا الملف يزداد تعقيدًا بسبب التساؤلات حول استعداد الدول لإرسال قوات إلى منطقة قد تشهد استمرارًا للتوتر العسكري.
واشنطن تغيّر أدوات الضغط
واشنطن تغيّر أدوات الضغط
بحسب المصدر الحكومي الذي تحدث إلى «عربي بوست»، لم تغلق واشنطن المسار اللبناني، لكنها انتقلت من محاولة دفع سريعة نحو التسوية إلى إدارة مرحلة أكثر تعقيدًا.
ولا تبدو الولايات المتحدة، وفق هذه القراءة، مستعدة للضغط على إسرائيل من أجل انسحاب واسع من دون مقابل أمني لبناني واضح.
وفي الوقت نفسه، لا تبدو واشنطن راغبة في انفجار مواجهة واسعة جديدة تقضي على فرص التفاوض.
وتشير التطورات اللاحقة إلى استمرار التواصل الأمريكي اللبناني؛ ففي 28 أيلول/سبتمبر، بحث سلام مع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو التطورات في لبنان والمنطقة ومسار استعادة لبنان سيادته، ودعا إلى تفعيل «الإطار الثلاثي» بما يؤدي إلى الانسحاب الإسرائيلي الكامل وحصر السلاح بيد الدولة.
وبالتالي، فإن المسار الأمريكي لا يبدو متوقفًا، لكنه يتحرك ضمن معادلة تربط الانسحاب الإسرائيلي بالتطورات الأمنية والسياسية اللبنانية.
مرتفعات علي الطاهر.. اختبار جديد
مرتفعات علي الطاهر.. اختبار جديد
برزت مرتفعات علي الطاهر في جنوب لبنان باعتبارها إحدى النقاط الحساسة في التطورات الميدانية الأخيرة.
وكانت إسرائيل قد أعلنت في 3 أيلول/سبتمبر ما وصفته بـ«السيطرة العملياتية» على المنطقة، التي تتمتع بموقع مرتفع يتيح الإشراف على مساحة واسعة من جنوب لبنان.
كما تناولت تقارير لاحقة العملية الإسرائيلية في المنطقة وتدمير منشآت وأنفاق قالت إسرائيل إنها تابعة لحزب الله.
وبحسب المعطيات التي ينقلها التقرير، طُرحت منطقة علي الطاهر ومحيطها باعتبارها مرشحة لتكون نموذجًا تجريبيًا جديدًا لترتيبات الانسحاب والانتشار.
لكن السؤال يبقى حول التسلسل: هل تنسحب إسرائيل أولًا ثم ينتشر الجيش اللبناني؟ أم يثبت الجيش اللبناني قدرته على ضبط المنطقة قبل الانسحاب؟
وهذه المعضلة تختصر جانبًا كبيرًا من الخلاف حول المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية.
لبنان وإيران.. مسار موازٍ
لبنان وإيران.. مسار موازٍ
أضافت لقاءات سلام في نيويورك بعدًا إقليميا آخر إلى المشهد اللبناني.
وخلال لقاءاته، أكد سلام أن لبنان لا يريد أن يتحول إلى ساحة للصراعات الإقليمية، فيما بحثت الاتصالات اللبنانية علاقات بيروت مع طهران إلى جانب الملفات الإقليمية.
ويعكس ذلك رغبة لبنانية في إبقاء الملف اللبناني ضمن مسار مستقل عن صراعات المنطقة، في وقت ترى فيه واشنطن، بحسب القراءة التي ينقلها المصدر الحكومي، أن لبنان جزء من لوحة إقليمية أوسع تشمل إيران وأمن إسرائيل ومستقبل الجماعات المسلحة المتحالفة مع طهران.
وهنا تبرز إحدى الصعوبات الأساسية أمام التسوية، إذ لم يعد توقيت الحل اللبناني مرتبطًا فقط بالعلاقة بين بيروت وتل أبيب.
حزب الله: السلاح مرتبط بالانسحاب
حزب الله: السلاح مرتبط بالانسحاب
في المقابل، يقدم مصدر مقرب من حزب الله تحدث إلى «عربي بوست» قراءة مختلفة.
وبحسب المصدر، لا يتعامل الحزب مع ملف حصر السلاح باعتباره إجراءً إداريًا يمكن للحكومة تحديد جدول زمني لتنفيذه بمعزل عن الواقع العسكري في الجنوب.
ويقول المصدر إن الحزب لا يرفض النقاش السياسي من حيث المبدأ، لكنه يرفض أن يكون التخلي عن السلاح مقدمة للتفاوض على الانسحاب الإسرائيلي، بدل أن يكون جزءًا من نتيجة مسار يضمن الانسحاب ويحدد مستقبل الوضع الأمني في الجنوب.
وتتركز المقاربة، وفق المصدر، على أسئلة تتعلق بمصير المناطق التي ما زالت تحت السيطرة الإسرائيلية، والضمانات الأمنية، ودور الجيش اللبناني، وآليات منع الاعتداءات الإسرائيلية، إضافة إلى مستقبل مفهوم المقاومة بعد أي تسوية.
وفي المقابل، أكد الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم في مواقفه الأخيرة تمسك الحزب بقراءته للملف، بينما تؤكد الحكومة اللبنانية أن قرار الحرب والسلم وحصرية السلاح يجب أن يكونا بيد الدولة.
شهر اختبار لا شهر تسوية
المحصلة التي خرج بها المسار اللبناني بعد نيويورك، وفق المعطيات الواردة في التقرير، لا تشير إلى تسوية نهائية جاهزة، بل إلى استمرار قناة تفاوضية تواجه مجموعة كبيرة من العقد.
وتبقى أمام المرحلة المقبلة عدة مسارات مطروحة، من بينها استئناف التفاوض حول مناطق محددة يجري فيها انسحاب إسرائيلي وانتشار للجيش اللبناني مع آلية تحقق، أو استمرار الوضع الميداني الحالي مع ضغط سياسي متواصل، أو انتقال واشنطن إلى المطالبة بخطوات لبنانية إضافية في ملف السلاح قبل الضغط بصورة أكبر على إسرائيل.
وهذه السيناريوهات تبقى احتمالات مرتبطة بمواقف الأطراف ولا تمثل تسوية محسومة.
أما العقدة الأبرز فتظل في من يقدم الخطوة الأولى.
فلبنان يريد انسحابًا إسرائيليًا وضمانات تسمح للجيش ببسط سلطته، بينما تريد إسرائيل تقدمًا لبنانيًا في ملف السلاح والقدرة على منع عودة نشاط حزب الله قبل توسيع الانسحاب.