غزة تحت السيطرة الإسرائيلية.. الأقمار الاصطناعية تكشف توسع الانتشار رغم الهدنة
تكشف صور الأقمار الاصطناعية وتحليل أجرته صحيفة «نيويورك تايمز» عن استمرارالتمدد الإسرائيلي في غزة رغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، وسط مؤشرات على تعزيز القوات الإسرائيلية مواقعها العسكرية وتوسيع المناطق الخاضعة لسيطرتها داخل القطاع.
وبحسب تقرير أعده صموئيل غراندوس وأرون بوكسرمان، فإن الوقائع الميدانية تشير إلى أن ما كان يفترض أن يكون تقسيمًا مؤقتًا للقطاع بات يتحول تدريجيًا إلى واقع أكثر رسوخًا، مع إقامة مواقع عسكرية جديدة وتحريك حواجز وخطوط تحدد مناطق الخطر، فيما يعيش معظم سكان غزة في مساحة محدودة من القطاع.
وفق تحليل صور الأقمار الاصطناعية الذي أجرته «نيويورك تايمز»، عززت القوات الإسرائيلية مواقعها داخل غزة، وأنشأت ما لا يقل عن 12 نقطة عسكرية، فيما توغلت في مناطق إضافية متجاوزة خط الانسحاب الذي كان متفقًا عليه بموجب وقف إطلاق النار.
وكانت القوات الإسرائيلية قد انسحبت بعد الهدنة إلى ما يعرف بـ«الخط الأصفر»، ما منحها السيطرة على نحو 53% من مساحة القطاع، إلا أن القوات واصلت الاستيلاء تدريجيا على أراضٍ إضافية.
وتظهر الصور الجديدة مواقع عسكرية ومنشآت وأرصفة جديدة على امتداد محيط الخط الأصفر، إلى جانب تحديث مواقع كانت قائمة قبل وقف إطلاق النار، بما في ذلك إقامة أسوار ومنشآت دفاعية جديدة.
كما أقامت القوات الإسرائيلية حواجز ترابية ضخمة، امتد بعضها لمسافة تقارب ميلًا داخل القطاع خلف الخط الأصفر، في مؤشر إضافي إلى اتساع نطاق المنطقة الخاضعة للسيطرة العسكرية.
إسرائيل تسيطر على نحو 60% من غزة
إسرائيل تسيطر على نحو 60% من غزة
وبموجب اتفاق وقف إطلاق النار المدعوم من الولايات المتحدة، والذي دخل حيز التنفيذ في تشرين الأول/أكتوبر 2025، كانت إسرائيل تسيطر على نحو نصف قطاع غزة.
لكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قال في أيار/مايو إن الجيش الإسرائيلي يسيطر على نحو 60%من القطاع، مؤكدًا أن إسرائيل تخطط للسيطرة على المزيد من الأراضي.
وفي أحدث تأكيد على هذا النهج، كرر نتنياهو أن إسرائيل لن تنسحب من المنطقة العازلة التي تسيطر عليها ما لم تُلقِ حركة حماس سلاحها، قائلًا: «نسيطر على نحو 60% من الأراضي» و«ما زالت أيدينا تمتد».
ويشير ذلك إلى أن التمدد الإسرائيلي في غزة لم يعد مرتبطًا فقط بالعمليات العسكرية المباشرة، بل أصبح مرتبطًا أيضًا بإقامة مواقع ثابتة وترتيبات أمنية جديدة على الأرض.
منطقة برتقالية خلف الخط الأصفر
منطقة برتقالية خلف الخط الأصفر
إلى جانب الخط الأصفر، أنشأت إسرائيل ما يعرف بـ«المنطقة البرتقالية»، وهي منطقة ذات دخول مقيد يتعين على الفلسطينيين والمنظمات الإنسانية التنسيق مع الجيش الإسرائيلي قبل التحرك فيها.
وتشير التقارير إلى أن بعض الفلسطينيين ما زالوا يعيشون داخل هذه المنطقة رغم المخاطر، فيما واصلت القوات الإسرائيلية تنفيذ عمليات هدم لمبانٍ فيها رغم استمرار الهدنة.
وأظهرت صور الأقمار الاصطناعية تدمير أكثر من 100 مبنى جنوب مدينة دير البلح وسط القطاع بين أواخر آب/أغسطس وأوائل أيلول/سبتمبر.
وقال الجيش الإسرائيلي إن عمليات الهدم تأتي في إطار عمليات تهدف إلى «إحباط التهديدات وتحديد مواقع البنية التحتية العسكرية وتفكيكها».
هدم آلاف المباني ونزوح السكان
هدم آلاف المباني ونزوح السكان
في المناطق الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية، هدمت القوات الإسرائيلية آلاف المباني منذ بدء الهدنة، في حين تقول إسرائيل إن عمليات الهدم مرتبطة بتفكيك أنفاق وبنى عسكرية تابعة لحماس.
وأدى اتساع نطاق السيطرة الإسرائيلية إلى دفع سكان غزة نحو مناطق أكثر اكتظاظًا، في وقت تعاني فيه المساكن أصلًا من نقص حاد نتيجة الدمار الواسع الذي خلفته الحرب.
وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن نحو 80% من مساكن غزة دُمرت أو تضررت، ما يجعل أي تحرك جديد للسكان داخل القطاع أكثر صعوبة.
وقالت تانيا هاري، المديرة التنفيذية لمنظمة «غيشا» الإسرائيلية لحقوق الإنسان، إن الاكتظاظ الشديد وانهيار الخدمات العامة بعد الحرب يؤديان إلى تفشي الأمراض وانتشار الفئران والآفات.
كما أشارت إلى أن معظم الأراضي الزراعية في غزة تقع في الجانب الآخر من الخط الأصفر، ما يجعلها غير متاحة للمزارعين.
علامات الخط الأصفر تتحرك مع التوغل
علامات الخط الأصفر تتحرك مع التوغل
من أبرز مظاهر التمدد الإسرائيلي في غزة تغير مواقع العلامات الصفراء التي يفترض أن تحدد بداية مناطق الخطر.
ويقول فلسطينيون إن هذه العلامات تحركت تدريجيًا مع تقدم القوات الإسرائيلية داخل القطاع.
وقال محمد أبو رياض، وهو فلسطيني يبلغ 33 عاما، إنه كان يقيم مع أقارب له قرب بيت لاهيا شمال غزة في أواخر آب/أغسطس، عندما سمع إطلاق نار استمر بصورة متقطعة لأكثر من ساعتين.
وبعد توقف إطلاق النار، لاحظ أن إحدى العلامات الصفراء الإسرائيلية تحركت مئات الأمتار وأصبحت قريبة من منزلهم.
وقدمت «نيويورك تايمز» الإحداثيات والتوقيت الدقيق للحادثة إلى الجيش الإسرائيلي، الذي امتنع عن التعليق.
وقال أبو رياض: «لم يبق سوى عدد قليل من الناس في المنطقة».
سقوط ضحايا قرب الخطوط
سقوط ضحايا قرب الخطوط
وبحسب مكتب حقوق الإنسان التابع لـ الأمم المتحدة، استشهد ما لا يقل عن 196 فلسطينيا، بينهم 18 امرأة و43 طفلا، قرب الخط الأصفر منذ بدء وقف إطلاق النار.
ويصدر الجيش الإسرائيلي بيانات دورية يقول فيها إن قواته أطلقت النار على مسلحين ينشطون بالقرب من الخط، إلا أن بعض الضحايا، وفق التقرير، كانوا من المدنيين.
وفي نيسان/أبريل، قتل الجيش الإسرائيلي سائقَي شاحنتين يعملان لدى منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف» عند نقطة لتجميع المياه قرب المنصورة، وهي منطقة تقع داخل المنطقة البرتقالية.
وقال الجيش الإسرائيلي حينها إن السائقين اقتربا من المنطقة من دون تنسيق مسبق، معربًا عن أسفه لما وصفه بـ«الأذى غير المقصود» الذي لحق بالمدنيين.
إعادة إعمار غزة تصطدم بالواقع الميداني
إعادة إعمار غزة تصطدم بالواقع الميداني
مع استمرار التمدد الإسرائيلي في غزة، تبرز أسئلة جديدة بشأن مستقبل إعادة الإعمار، خصوصًا حول المناطق التي ستبدأ فيها عمليات البناء ومن سيتولى إدارتها.
ورد مسؤولون من مجلس السلام التابع للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن الإمارات العربية المتحدة تخطط لبناء مجمع سكني للنازحين الفلسطينيين في المنطقة الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية.
لكن علي شعث، رئيس مجموعة التكنوقراط الفلسطينيين الذين اختارهم ترامب لإدارة غزة، قال لدبلوماسيين على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك إن النهج الذي يتبعونه لا يقوم على تقسيم القطاع إلى مناطق ملونة.
وأضاف أنه لن يفصل بين «المنطقة الخضراء والمنطقة الحمراء، أو بين الخط الأصفر والخط البرتقالي».
في المقابل، قال مسؤولون إسرائيليون إنهم لن يسمحوا بإعادة إعمار واسعة النطاق في غزة ما لم تُلقِ حماس سلاحها.
قاعدة دولية محتملة قرب رفح
قاعدة دولية محتملة قرب رفح
وفي عمق المنطقة التي تسيطر عليها إسرائيل، يأمل مسؤولون أمريكيون في إنشاء قاعدة قرب مدينة رفح الجنوبية لتكون مقرًا لبعثة حفظ سلام دولية، وفق ثلاثة مسؤولين تحدثوا شريطة عدم الكشف عن هوياتهم.
وأفاد اثنان من المسؤولين بأن بناء القاعدة تأخر عدة أشهر، بسبب انتظار المشروع موافقات إسرائيلية إضافية.
ويضيف هذا التطور بُعدًا جديدًا إلى مستقبل الترتيبات الأمنية في غزة، في ظل استمرار النقاش حول شكل الإدارة المستقبلية للقطاع والجهات التي ستتولى حفظ الأمن والإشراف على إعادة الإعمار.
عقيدة أمنية إسرائيلية جديدة
عقيدة أمنية إسرائيلية جديدة
وترى «نيويورك تايمز» أن ترسيخ وتوسيع المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية يعكس تحولًا في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، مع توجه نحو إنشاء مناطق عازلة داخل الأراضي المجاورة بهدف منع هجمات مفاجئة مستقبلًا.
ويقول مسؤولون إسرائيليون، بينهم نتنياهو، إن هذه المناطق تهدف إلى منع تكرار هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 الذي قادته حماس وأشعل الحرب في غزة.
لكن سياسيين إسرائيليين من اليمين المتطرف يأملون، وفق التقرير، في إقامة مستوطنات إسرائيلية في غزة مستقبلًا، على غرار المستوطنات الموجودة في الضفة الغربية المحتلة.
وتأتي هذه التطورات في وقت تسيطر فيه إسرائيل أيضًا على مناطق في جنوب لبنان وسورية، بينما تشهد هذه الملفات مفاوضات مرتبطة بالانسحاب الإسرائيلي من تلك المناطق.