في تطور دبلوماسي وسياسي لافت، أعلن رئيس الجمهورية اللبنانية جوزف عون، خلال زيارة مفاجئة إلى مدينة النبطية في جنوب لبنان صباح اليوم السبت، أنّه لا مفاوضات جديدة مع إسرائيل في الوقت الحالي، مؤكدًا أن الانسحاب الإسرائيلي وعودة الأسرى والنازحين وإعادة إعمار الجنوب تمثل ثوابت وطنية.

وجاء موقف عون في أعقاب معلومات نقلها موقع «أكسيوس» عن مسؤول أمريكي، أفادت بإرجاء جولة المفاوضات المقررة بين لبنان وإسرائيل الأسبوع المقبل إلى تشرين الأول/أكتوبر، في وقت يواصل فيه الجيش الإسرائيلي عملياته العسكرية وعمليات التفجير في عدد من القرى والبلدات الجنوبية.

عون من النبطية: لا مفاوضات جديدة مع إسرائيل حاليًا

عون من النبطية: لا مفاوضات جديدة مع إسرائيل حاليًا
عون من النبطية: لا مفاوضات جديدة مع إسرائيل حاليًا

ووصل رئيس الجمهورية جوزف عون إلى النبطية وسط إجراءات أمنية مشددة وانتشار للجيش اللبناني، الذي باشر تمركزه في أحياء المدينة منذ يومين ضمن خطة انتشار الجيش في جنوب لبنان.

ورافق عون قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل وعدد من قادة الأجهزة الأمنية، في زيارة جاءت تلبية لنداء أهالي النبطية وجوارها عقب التصعيد الإسرائيلي في المنطقة.

وفي تصريح للصحافيين، قال عون إنّه «لا مفاوضات جديدة مع إسرائيل في الوقت الحالي»، مؤكدًا أنّ «الانسحاب الإسرائيلي وعودة الأسرى والنازحين والإعمار ثوابت وطنية نتعهّد بتنفيذها».

ويأتي هذا الموقف في وقت تتحدث فيه تقارير عن تأجيل الجولة المقبلة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، بالتزامن مع استمرار التطورات الميدانية في الجنوب.

تأجيل المفاوضات بين لبنان وإسرائيل إلى تشرين الأول

وكان موقع «أكسيوس» قد نقل عن مسؤول أمريكي أن جولة المحادثات التي كان مقررًا عقدها الأسبوع المقبل أُرجئت إلى تشرين الأول/أكتوبر.

وأوضح المصدر أن المحادثات ستُعقد بدلًا من ذلك في تشرين الأول، مشيرًا إلى أن «الأعياد اليهودية ومؤتمر باريس والاستعدادات للجمعية العامة للأمم المتحدة» حالت دون اجتماع المشاركين في روما.

ومن المقرر كذلك أن يلتقي سفيرا لبنان وإسرائيل في العاصمة الأمريكية واشنطن، في إطار الاتصالات المرتبطة بالمسار الدبلوماسي بين الجانبين.

ويعكس موقف عون بشأن لا مفاوضات جديدة مع إسرائيل في المرحلة الحالية تمسك الدولة اللبنانية بالثوابت التي أعلنها رئيس الجمهورية، وفي مقدمتها الانسحاب الإسرائيلي وعودة النازحين وإعادة إعمار المناطق المتضررة.

عون: الجنوب في قلب الدولة ولبنان

وخلال لقائه أهالي النبطية، أكد عون أن الدولة ستبقى إلى جانب أبناء المنطقة، قائلًا: «واجبنا أن نبقى إلى جانبكم ولن نترككم أبداً. الجنوب هو في قلب الدولة وقلب لبنان».

وأضاف: «أنا أعرف أن ابن الجنوب محبّ للدولة ولأجهزتها، ويريد الدولة ولا أحد سواها».

وأوضح أن سبب زيارته إلى النبطية برفقة قادة الأجهزة الأمنية وقائد الجيش اللبناني هو التأكيد على وقوف الدولة إلى جانب أبناء المنطقة، والعمل على تأمين الخدمات كافة لهم من أجل بقائهم في بلداتهم وتوفير الأمان لهم.

وقال: «صمودكم أكبر وسام على صدرنا، وبقاؤكم هنا مع أهلكم رغم الحرب أكبر رسالة إلى العالم مفادها أن هذا المجتمع وهذا الشعب قادر على النهوض مجددًا والبقاء واقفًا أبداً».

عون: جرح الجنوب يجب أن يُختَم

عون: جرح الجنوب يجب أن يُختَم
عون: جرح الجنوب يجب أن يُختَم

وأعرب رئيس الجمهورية عن أمله في أن «يختم جرح الجنوب مرة لكل المرّات»، مشددًا على حق أبناء الجنوب في العيش بأمان وكرامة.

وقال: «من حق ابن الجنوب أن يعيش بأمان ويبني منزله وهو مطمئن أنه لن يهدم ولن يدمر، ومن حقه أن يزرع أرضه ويعيش بكرامة، ومن حقه أن يعيش بأمن دائم بعد معاناته المتواصلة منذ العام 1969 جيلًا بعد جيل».

وأضاف: «نحن عايشنا الحرب، فهل من الضروري أن يعاني منها أبناؤنا؟ أليس من واجبنا أن نجعلهم يعيشون بكرامة؟ هذا واجبنا تجاه كل لبنان، وتجاه ابن الجنوب تحديدًا، لأن جرح الجنوب إذا لم يُختَم فلن يُختَم جرح لبنان كله».

جولة عون في النبطية وتفقد المؤسسات المتضررة

وخلال جولته في المدينة، تفقد عون الوحدات العسكرية في النبطية، كما زار السرايا الحكومية واتحاد بلديات النبطية، حيث التقى رؤساء البلديات واستمع إلى أوضاع المنطقة واحتياجاتها.

وانتقل رئيس الجمهورية والوفد المرافق بعد ذلك إلى مكان استشهاد 13 عنصرًا من أمن الدولة في شهر نيسان الماضي، إثر استهداف مركزهم أثناء قيامهم بعملهم، حيث حيّا ذكراهم.

كما تفقد مبنى المصلحة المالية الإقليمية التابع لوزارة المالية ومصلحة الزراعة في النبطية، وهما مرفقان تعرضا لأضرار جسيمة إثر الاعتداء الإسرائيلي قبل أيام.

استقبال شعبي لافت لرئيس الجمهورية

وطغى الطابع الشعبي على زيارة عون إلى النبطية، حيث دار حوار عفوي بين رئيس الجمهورية وعدد من المواطنين، كرر خلاله التأكيد على وقوف الدولة إلى جانب أبناء المنطقة والعمل على تأمين احتياجاتهم الأمنية والإنمائية.

وقال أحد أبناء النبطية لعون: «لقد نوّرتم النبطية. نريد أن تكونوا معنا»، فرد رئيس الجمهورية: «لذلك أتيت إلى هنا».

وعندما قال مواطن آخر: «نريدك معنا على طول»، أجابه عون: «أتيت اليوم إليكم، ونحن إلى جانبكم، وواجبنا أن نقف إلى جانبكم، والدولة كلها إلى جانبكم، ولن نترككم أبداً».

ورد المواطن بالقول: «زيارتكم اطمئنان لنا، وشرف لنا أن تكونوا معنا، وأنتم ابن الجنوب وتاج رأسنا. إن ابن العيشية وابن النبطية واحد».

وكرر عون أن زيارته برفقة قائد الجيش والأجهزة الأمنية تهدف إلى توجيه رسالة واضحة إلى أبناء النبطية بأن الدولة تقف إلى جانبهم، ليس فقط على المستوى الأمني، وإنما أيضًا في ما يتعلق بالخدمات الإنمائية.

وقال: «اليوم كنت مع المحافظ ورئيس اتحاد البلديات ورئيس البلدية وسعادة النائب، للاطلاع على حاجاتكم لكي نؤمنها لكم لتبقوا هنا».

وأضاف: «نقول لكل منكم الحمدلله على السلامة، وإن شاء الله يلتئم جرح الجنوب».

عون يجدد أهداف الدولة تجاه الجنوب

وخلال حديثه إلى الصحافيين، قال عون إن من واجبه أن يأتي إلى النبطية منذ زمن، لكن الظروف لم تسمح بذلك.

وأكد أن هدف الدولة واضح، وقال: «كررته مئات المرات وسأبقى أردده: الانسحاب الإسرائيلي، وعودة الأسرى، وعودة أهلنا النازحين إلى بلداتهم وقراهم، وإعادة إعمار الجنوب».

وأضاف: «هذا هدف واضح للجميع، ولا أتصور أحدًا يختلف بشأنه».

ويأتي ذلك ليؤكد مجددًا أن لا مفاوضات جديدة مع إسرائيل في الوقت الحالي، وفق الموقف الذي أعلنه عون من النبطية، في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي لعدد من النقاط والقرى الجنوبية وتصاعد الاعتداءات.

مستشفى نبيه بري: عون يشيد بصمود الطواقم الطبية

ثم زار رئيس الجمهورية مستشفى الرئيس نبيه بري الحكومي في النبطية، حيث التقى مديره العام حسن وزنه وعددًا من الأطباء.

وتوجه عون إلى الطاقم الطبي والإسعافي والتمريضي والإداري في المستشفى بالقول: «أتيت إليكم لأقول لكم كم نفتخر بكم. أنتم الجندي المجهول».

وأشاد بصمود العاملين في المستشفى، قائلًا إنهم، رغم صعوبة الظروف، واصلوا تأمين الخدمات الطبية لأبناء الجنوب.

وأضاف: «هذا وسام على صدرنا وصدر كل اللبنانيين، ولا يمكننا إلا أن ننحني أمام تضحياتكم وعظمة المجهود الذي تقومون به».

وقال عون: «لكم كل الشكر من القلب. نحن إلى جانبكم لمساعدتكم في استمرار تأديتكم لأهم خدمة وهي الخدمة الطبية. وإننا نكبر بكم ولبنان يفتخر بكم».

كما أشار إلى صعوبة الوضع الذي يواجهه العاملون في القطاع الصحي، مؤكدًا أن استمرارهم في تقديم الخدمات الطبية تحت القصف يمثل «إنجازًا استثنائيًا».

وقال: «أعلى درجات اللاأنانية عندما يضحي الإنسان بذاته من أجل خدمة الآخرين. أنتم تخاطرون بحياتكم من أجل رسالة إنسانية. أشكركم فردًا فردًا، وننحني أمام تضحياتكم. حماكم الله».

وبعد ذلك، قام عون بجولة في أرجاء المستشفى، وتفقد بعض الجرحى وعددًا من المرضى، متمنيًا لهم الشفاء العاجل.

هيكل: الجيش موجود في النبطية ولن يترك الجنوب

من جهته، أكد قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل، خلال مغادرته المستشفى، أن «الجيش متواجد دائمًا في النبطية وكل البلدات اللبنانية المحررة، ونأمل أن نحرر بقية البلدات وسنتواجد فيها عندئذ أيضًا».

وأضاف: «الجيش لم يترك النبطية في أي يوم من الأيام، كما لم يترك أي بلدة لبنانية ما لم يزل فيها مواطنون لبنانيون».

عون يتفقد زوطر الغربية ومواقع انتشار الجيش

ولاحقًا، توجه عون والوفد المرافق إلى بلدة زوطر الغربية، التي كانت من أولى «المناطق التجريبية» في الجنوب، حيث زار كنيسة دير سيدة البشارة.

وتفقد رئيس الجمهورية وحدات الجيش المنتشرة في البلدة، ومن داخل الكنيسة عاين مواقع انتشار الجيش الإسرائيلي في زوطر الشرقية.

وتأتي الجولة في زوطر ضمن تحرك عون في الجنوب للاطلاع ميدانيًا على أوضاع البلدات المتضررة ومواقع انتشار الجيش، والتأكيد على حضور الدولة ومؤسساتها في المنطقة.

بلدية النبطية تعرض مطالب المنطقة أمام عون

وفي بيان لها حول زيارة رئيس الجمهورية، أشارت بلدية النبطية إلى أن الزيارة استُهلت بلقاء مع الأجهزة الأمنية في مركز مخابرات الجيش في مبنى المحافظة، حيث جرى شرح وضع الدوائر الرسمية والأمنية ومصرف لبنان.

وانتقل عون بعدها إلى مبنى اتحاد بلديات الشقيف، حيث عُقد لقاء بحضور أعضاء المجلس البلدي لمدينة النبطية، جرى خلاله عرض الواقع الميداني والخدماتي والتحديات التي تواجه المدينة وقرى القضاء.

ووضع المجتمعون رئيس الجمهورية في صورة الاحتياجات الملحة والملفات الداهمة، وجرى التداول في عدد من المطالب الأساسية.

ومن أبرز المطالب التي طُرحت الإسراع في صرف وتحويل مستحقات البلديات والصندوق المستقل البلدي، بما يمكّن المجالس البلدية من الاستمرار في أداء مهامها الحيوية وتقديم الخدمات الأساسية للمواطنين.

كما طالب المجتمعون بالإسراع في تعيين محافظ أصيل لمحافظة النبطية لتأمين انتظام العمل الإداري والمتابعة الحثيثة لقضايا المنطقة، إلى جانب تعزيز حضور القوى والأجهزة الأمنية وتأمين الدعم اللوجستي والإمكانات اللازمة لها لترسيخ الأمن والاستقرار في المحافظة.

مطالب بإعادة الإعمار وتعويض المتضررين

وشملت المطالب كذلك تحقيق العدالة لأبناء محافظة النبطية في خطط الإغاثة والبرامج الاجتماعية المدعومة، ولا سيما برنامج «أمان»، واعتبار المحافظة أولوية في الرعاية الاجتماعية نظرًا إلى ظروفها الضاغطة.

وطالب المجتمعون أيضًا بالإسراع في توقيع وزارة المالية على قطعة الأرض الخاصة بخزينة الدولة، من أجل بناء مركز جديد للمديرية الإقليمية للدفاع المدني في النبطية، بعد الدمار الذي لحق بالمركز جراء العدوان الإسرائيلي، بما يضمن استمرارية دوره الإنساني والإنقاذي الحيوي، علمًا أن المركز كان مستأجرًا.

وأكدوا ضرورة إيلاء ملف الأضرار الأولوية القصوى، والعمل الفوري على إطلاق مسار إعادة الإعمار الشامل، وتأمين التعويضات والمساعدات اللازمة لترميم وتأهيل المنازل المتضررة وغير الصالحة للسكن، تمهيدًا لعودة الأهالي واستقرارهم.

وثمّنت بلدية النبطية واتحاد بلديات الشقيف حضور رئيس الجمهورية والوفد المرافق، مؤكدين أن رعاية الدولة المباشرة ووقوفها إلى جانب أبناء الجنوب يشكلان الضمانة الأساسية لتعزيز الصمود والنهوض بالمرافق الحيوية والإدارية في المدينة والمنطقة ككل.

عون: آن الأوان لكي تعود الدولة إلى الجنوب

وكان عون قد قال خلال جلسة مجلس الوزراء في قصر بعبدا الخميس: «وصلتنا نداءات أهلنا في النبطية وصور وعربصاليم، وأريد أن أتوجه إليهم بالقول: لقد أصغينا إلى نداءاتكم، ونحن إلى جانبكم، ولا يمكننا قطعًا أن نكون بعيدين عنكم».

وأضاف: «كما لا يمكننا إلا أن نبذل أقصى الجهود لنبقى إلى جانبكم ومساعدتكم، وتأمين كل مقومات صمودكم قدر المستطاع».

وأكد رئيس الجمهورية أنه «آن الأوان لكي تعود الدولة إلى الجنوب»، معتبرًا أن ذلك مسؤولية مشتركة وواجب تجاه أبناء المنطقة.

وقال: «الجنوب هو الجزء الأساس من لبنان، وعلى كل وزارة أن تقدم ما لديها لنؤكد وقوفنا إلى جانب أهلنا من دون أي تقصير».

التصعيد الإسرائيلي يسبق زيارة عون إلى النبطية

وتأتي زيارة رئيس الجمهورية غير المعلنة، اليوم السبت، إلى النبطية عقب يومين من تفجير الجيش الإسرائيلي لأنفاق علي الطاهر، والذي أحدث هزة أرضية قُدّرت بـ4.1 درجات على مقياس ريختر ووصل صداها إلى الساحل اللبناني.

وميدانيًا، يواصل الجيش الإسرائيلي عمليات التفجير في قرى عدة جنوب لبنان، في وقت أعلن فيه أمس الجمعة «انسحاب قواته من مرتفعات علي الطاهر جنوبي لبنان، وإعادة تموضعها في خطوط خلفية بمنطقة الشقيف، بعد عملية عسكرية واسعة شهدتها المنطقة خلال الساعات الماضية».

وذكر الجيش الإسرائيلي أنه سيُبقي المرتفعات تحت ما وصفه بـ«السيطرة النارية»، محذرًا من أنه «سيتعامل مع أي محاولة لحزب الله لإعادة الانتشار فيها».

ويأتي هذا التصعيد في ظل استمرار التوتر على الحدود الجنوبية، بالتزامن مع الغموض الذي يحيط بالمسار الدبلوماسي وموعد استئناف المفاوضات بين لبنان وإسرائيل.

ماذا يعني موقف عون من المفاوضات؟

يحمل إعلان عون من النبطية بأن لا مفاوضات جديدة مع إسرائيل في الوقت الحالي رسالة سياسية واضحة، خصوصًا أنه جاء من قلب الجنوب وبعد تصعيد ميداني إسرائيلي متواصل.

ويضع رئيس الجمهورية الانسحاب الإسرائيلي وعودة الأسرى والنازحين وإعادة الإعمار في صدارة الأولويات اللبنانية، فيما تستمر الاتصالات الدولية بشأن المسار التفاوضي الذي كان من المقرر أن يشهد جولة جديدة في روما قبل أن يتم تأجيلها إلى تشرين الأول/أكتوبر وفق ما أورده موقع «أكسيوس».

وفي موازاة المسار الدبلوماسي، يسعى عون إلى تثبيت حضور الدولة اللبنانية في الجنوب، من خلال زيارة النبطية برفقة قائد الجيش وقادة الأجهزة الأمنية، والاطلاع مباشرة على حاجات السكان والمؤسسات والأجهزة العسكرية والأمنية.

شاركها.