كتب ألبير خوري
منذ غزت الولايات المتحدة الأميركية عسكرياً العراق بقرار “تعسّفي” من الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن، دخلت منطقة الشرق الأوسط في فوضى السياسات والأنظمة والاقتصاد والنقد.. بعد العراق، سوريا ومصر وليبيا وتونس والخليج العربي، وأخيراً لبنان الذي دخل في هذا النفق الطويل ليجد نفسه وسط أزمة داخلية تجلّت بوضوح في الشارع المنتفض أولاً، وتالياً في عجز السلطة على تشكيل حكومة تحظى برضى المتظاهرين كما بثقة مجلس النواب. يبدو أن التظاهرات الشعبية خفّت حدّتها في الأيام القليلة الماضية، وإن ظلت مستمرة على المستوى النقدي والمصرفي، لكن أياً من المراقبين المحليين، لا ينفي أن المتظاهرين يستعدون لاستكمال ثورتهم في اللحظة التي تعلن السلطة عن حكومتها العتيدة في خلال الأيام الثلاثة المقبلة، وقد يطول موعد هذا الإعلان، بعد الإعصار الكبير الذي خلفه اغتيال قائد “فيلق القدس” في “الحرس الثوري الإيراني” سليماني، وحيث الصراع بدا على أشده بين طهران وواشنطن، ولبنان يجد نفسه فجأة مدعواً للعب دوره من خلال “حزب الله” حليف إيران، وحيث لا مجال للوطن الصغير “المغلوب على أمره” البقاء على الحياد، بعدما توعّدت الجمهورية الإسلامية بالانتقام للجنرال سليماني، وتهديد المصالح الأميركية في كامل منطقة الشرق الأوسط، كما في داخل الولايات المتحدة. الأمر الذي دعى واشنطن الى زيادة عدد قواتها العسكرية في المنطقة، وبينها استقدا م حوالى 700 جندي أميركي من إيطاليا للدفاع عن سفارتها في بيروت.
في هذه الأجواء، يجد لبنان نفسه أمام مأزقين، قد يخفف وطأتها إن نجحت السلطة في تمرير حكومة حسان دياب بأقل قدر من الخسائر، وبما يعيد بعض الهدوء للشارع والحركة المصرفية التي يهدد أصحابها بالإضراب العام تحاشياً لمواجهة مع عشرات المواطنين المودعين – وخصوصاً الصغار منهم -، الذين شعروا بنهب أموالهم، يعجزون عن تأمين حاجاتهم اليومية وسط غلاء مستفحل يوماً بعد آخر. صحيح أن رئيس الجمهورية ميشال عون وعد بأن تجد حكومة الدكتور دياب قريباً جداً بعدما اكتملت أسماء أعضائها، وتوزعوا مناصفة بين مسلمين ومسيحيين، وكذلك توزيعهم بالتكافؤ والتضامن على وزارات سيادية وأخرى خدماتية، لكن الأمور تستمر رهينة ثقة الشارع و”الثورة”.
هذا التفاهم المبدئي، بدّد ضبابية الرؤية التي سادت بعد اغتيال الجنرال سليماني مع انطلاق حملة شائعات عن سقوط المشروع الحكومي وتشدّد “حزب الله” في فرض شروطه للمرحلة المقبلة ومحاولة إمساكه بوزارتي الخارجية والدفاع تحديداً، تمهيداً لتحويل الحكومة الجديدة الى حكومة مواجهة.. علماً أن الحزب، وتبعاً لما تقول بعض أوساطه يرغب في تسريع وتيرة تأليف الحكومة لأن التأخير الطويل الأمد، ربما حوّل الانتفاضة الى ثورة جياع تطيح بكل ما أنجز حتى الآن، وتعم من خلافها الفوضى المسيئة للحزب. وكشفت هذه المصادر أن من المتوقع أن يتطرق السيد حسن نصر الله بعد ظهر يوم الأحد الى الملف الحكومي بإشارات إيجابية من غير أن يخوض في التفاصيل.
وبعيداً عن أزمة الحكومة الجديدة التي حلّت بعض عقدها وبقيت أخرى في عهدة الأحزاب المعترضة والرافضة المشاركة فيها، وكذلك في عهدة الشارع، جاءت عملية اغتيال الجنرال سليماني، الشخصية المحورية في ترسيخ نفوذ إيران في الشرق الأوسط، في غارة جوية اميركية دفعت المنطقة الى تصعيد لا سابق له تردّد صداه في جهات العالم الأربع. وحوّلت نزاعاً بارداً بين طهران وواشنطن، مواجهة مباشرة بين العدوين اللدودين، لدرجة أن عدداً من كبار المحللين الدوليين، اعتبروا أن العملية التي أمر بها الرئيس ترامب هي الأخطر في الشرق الأوسط منذ غزو العراق عام 2003، وشكّلت ضربة قوية لإيران التي توعّد قادتها، بدءاً من المرشد الأعلى آية الله خامنئي بالانتقام في الوقت والمكان المناسبين، وأن “واشنطن ستكون مسؤولة عن أي حرب تندلع في المنطقة، وفي اغتيالها الجنرال سليمان أقدمت على انتحار عسكري وسياسي في المنطقة…”.!