كتب مبارك بيضون – مدير مركز بيروت للأخبار
ليس السؤال الذي يطرحه كتاب «انقلاب على ميت» لعبير شرارة هو ما إذا كانت قد انقلبت على الميت، بل كيف استطاعت أن تعيد الحياة إلى ما كان مرشحا للموت في داخلها، وأن تنتصر على سنواتٍ من العتمة، وعلى محطاتٍ كادت أن تسلبها القدرة على الوقوف مجددًا.
في قراءته الأدبية للكتاب، يذهب الكاتب عبد الغني طليس إلى استكشاف العلاقة بين عبير وذاتها الأخرى، وبين حضور والدها الشاعر والكاتب بلال شرارة ومحاولتها التحرر من ظلاله الأدبية والنفسية. وهي قراءة تحمل أبعادًا رمزية تستحق التأمل، لكنها تفتح الباب أمام تساؤل آخر: هل كان الانقلاب فعلًا على الميت، أم على الظروف التي حاولت أن تجعل من الحياة موتًا مؤجلًا؟
ربما لم تكن عبير بحاجة إلى الانقلاب على أحد، بقدر حاجتها إلى الانتصار لنفسها.
لقد عاشت، كما توحي النصوص التي تناولها طليس، صراعًا بين الذات والذاكرة، وبين ما تريده الحياة لها وما تريده هي من الحياة. وفي هذا الصراع، لم تكن المواجهة دائمًا بالسيف، ولا بالصراخ، ولا حتى بالرفض المطلق، بل بالصبر والعنفوان والقدرة على التكيّف مع القدر من دون الاستسلام له.
وهنا تكمن قوة المرأة التي تعرف أن الانحناء أمام العاصفة ليس هزيمة، وأن التراجع خطوة قد يكون السبيل الوحيد للتقدم خطوات أخرى.
عبير لم تكن تهرب من القدر، بل كانت تتعلم كيف تسبقه إلى اللحظة التي يعتقد فيها أنه انتصر عليها.
كانت تدرك، في كل مرة تقترب فيها من حافة السقوط، أن البقاء ليس مجرد استمرار في التنفس، بل قدرة على حماية ما تبقى من الروح، وعلى استعادة ما سلبته الأيام من الأحلام.
وهكذا كان الميت يحيا.
يحيا من خلال صبرها، ومن خلال عنفوانها، ومن خلال تلك الإرادة التي ترفض أن يتحول الماضي إلى قبر تسكنه الذاكرة.
وإذا كان طليس يرى في «انقلاب على ميت» ولادة عبير الأخرى، فإنني أرى في هذه الولادة استمرارًا لعبير الأولى، ولكن بوعي مختلف، وتجربة أكثر نضجًا، وقدرة أكبر على مصالحة الذات مع جراحها.
فالإنسان لا يولد من جديد لأنه تخلّص من ماضيه، بل لأنه استطاع أن يحمل ذلك الماضي من دون أن يسمح له بأن يسحق حاضره.
أما حضور الأب، بلال شرارة، فلا أراه بالضرورة عبئًا كان ينبغي التخلص منه، بل يمكن النظر إليه بوصفه جزءًا من التكوين الإنساني والأدبي لعبير. فليس كل تحرر من التأثير الأبوي انقلابًا على الأب، وليس كل استقلال في الكتابة إعلان قطيعة مع الجذور.
قد تكون عبير قد استعادت صوتها الخاص من دون أن تُسكت صوت والدها في ذاكرتها.
ولعل المعنى الأعمق لعنوان «انقلاب على ميت» يكمن في هذه المفارقة: أن الميت ليس بالضرورة إنسانًا غادر الحياة، بل قد يكون حلمًا انطفأ، أو زمنًا انقضى، أو جزءًا من الذات اعتقدنا أنه لن يعود.
لكن عبير، في هذه القراءة، لم تترك ذلك الجزء يموت.
لقد أعادته إلى الحياة بالكلمات، وبالذاكرة، وبالقدرة على تحويل الألم إلى نص، والانكسار إلى تجربة، والخوف إلى وعي.
وإذا كان القدر قد حاول في بعض المحطات أن يتغلب عليها، فإنها لم تواجهه دائمًا بالمجابهة المباشرة، بل أدركت أن الحياة تحتاج أحيانًا إلى شيء من المراوغة؛ أن تتماشى مع الريح قبل أن تتحول إلى عاصفة، وأن تعرف متى تتمسك بالأرض قبل أن تتمكن منها الهاوية.
فليست البطولة أن نمنع الرياح من الهبوب، بل أن نمنعها من اقتلاعنا.
من هنا، لا أرى في عبير شرارة امرأة تستعد، كما يقول طليس، للهجوم بلا هوادة على الجميع، بقدر ما أرى امرأة استطاعت أن تخوض معركتها الكبرى مع نفسها، وأن تدرك أن الانتصار الحقيقي لا يكون بالضرورة على الآخرين، بل على الظروف التي حاولت أن تجعل منها إنسانة أخرى لا تشبهها.
قد يكون في داخل عبير أكثر من امرأة، وأكثر من ذاكرة، وأكثر من حياة. لكن اجتماع هذه الوجوه لا يعني بالضرورة انقسام الذات، بل ربما يعني اكتمالها بعد رحلة طويلة من المواجهة.
ولذلك، فإن السؤال الذي يستحق أن يُطرح ليس: هل انقلبت عبير شرارة على الميت؟
بل: كم مرة استطاعت عبير أن تعيد الحياة إلى ما مات فيها، وكم مرة انتصرت على القدر حين اعتقد أنه أصبح سيد الحكاية؟
ربما هنا تحديدًا تكمن فلسفة الكتاب، أو إحدى قراءاته الممكنة.
فالموت لا ينتصر دائمًا عندما يأخذ منا شيئًا، كما أن الحياة لا تنتصر لمجرد أننا ما زلنا أحياء.
الحياة تنتصر عندما نستطيع أن ننهض من تحت ركامها، وأن نحمل جراحنا من دون أن تتحول إلى قيود، وأن نكتب ما عجزنا عن قوله حين كان الصمت أقوى من الكلمات.
عبير شرارة لم تنقلب على الميت، بل انقلبت على فكرة أن الموت هو النهاية.
ومن بين العتمة والذاكرة والقدر، اختارت أن تبقى حيّة، وأن تمنح ما كاد يموت فرصة أخرى للحياة.
وهذا، في رأيي، أعظم من أي انقلاب.
