إن الاحتجاجات والمظاهرات الحاشدة التي خرجت خلال الأسابيع الأخيرة في الدول الأوروبية وأمريكا وبشكل عام الدول الغربية، والتي كانت غير مسبوقة، أو قلما شهدنا مثيلها، أظهرت الهوة السحيقة بين مطالب الشعوب الغربية والسياسات التي تتبعها حكوماتهم.

وعلى خلفية الأعمال الهمجية التي ترتكبها اسرائيل في قتل المدنيين وتدمير البنية التحتية في غزة، يبدي الرأي العام العالمي لا سيما في الغرب، حساسية وامتعاضا يتبديان على شكل مظاهرات واسعة في بلدان ومدن عديدة من العالم خاصة في الدول الغربية ضد سياسات الحكومات التي تدعم الكيان الاسرائيلي بالمطلق.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: ما موقع الرأي العام في سياسات الحكومات الغربية لا سيما في مجال السياسة الخارجية.

وجلي أن الرأي العام، يمثل قضية هامة بالنسبة لجميع الحكومات في العالم وعلى وجه الخصوص للدول التي تعتبر نفسها حصيلة إجماع ديمقراطي ونابعة من “حرية التعبير والمعتقد”.

وتؤكد الدول الغربية على الدوام أنه يجب إيلاء أهمية للرأي العام، وتنصح باقي الدول غير الغربية للاستماع إلى أصوات ورؤى ومطالب شعوبها ووضعها بالتالي موضع التطبيق، وتقوم سنويا باستصدار عشرات القرارات في الأوساط الدولية للتنديد بالحكومات غير الغربية بهذا الخصوص.

لكن في الحرب الجارية على غزة، وعلى الرغم من نتائج جميع استطلاعات الرأي والاحتجاجات العلنية والمسيرات الحاشدة للمواطنين الغربيين تنديدا بالممارسات الاسرائيلية الهمجية والمطالبة بوقف آلة القتل والدمار الاسرائيلية، فان هذه الدول الغربية التي تنصح العالم على مدار الساعة بالتقيد بحقوق الانسان، باتت تقول بان “وقف إطلاق النار هو لصالح حماس” وأن “من حق اسرائيل الدفاع عن نفسها”؛ حتى وإن أدى هذا الحق لحد الان إلى استشهاد أكثر من 16 ألف مواطن مدني وإصابة ما يزيد عن 30 ألف آخر منهم معظمهم من  النساء والأطفال.

ولم تكتف الدول الغربية بذلك لا بل أن بعض دول أوروبا الغربية بما فيها ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، اعتمدت عقوبات قاسية ضد المحتجين على اسرائيل وحتى أنها تعتبر حمل الرموز الفلسطينية والعلم الفلسطيني، جرما وبادرت إلى طرد العديد من الطلبة والصحفيين والنشطاء المدنيين و… تحت هذه الذريعة أو التهديد بطردهم.

ويتبادر هذا السؤال إلى الأذهان: لماذا تتظاهر الدول الغربية بالصُم فيما يخص الحرب على غزة ولا تصغي إلى أصوات احتجاجات شرائح واسعة من مواطنيها ولا تضع نهاية لدعمها العسكري الشامل لـ “أكبر إبادة جماعية في القرن الواحد والعشرين”، وحتى أنها تفضح نفسها أكثر فاكثر من خلال اتخاذ إجراءات مثل معاقبة وطرد النشطاء المدنيين والصحفيين والطلبة و… بسبب احتجاجهم على اسرائيل.

ويعود هذا إلى سببين رئيسيين: الأول هو منذ أن تم زرع بذرة اسرائيل بصورة غير طبيعية وغير متجانسة مع بيئة منطقة الشرق الأوسط وحتى الوقت الحاضر، فان كل شيء متعلق باسرائيل تحول إلى خط أحمر بالنسبة للحكومات الغربية الداعمة لتل أبيب.

والسبب الثاني هو: أن الرأي العام مهم بشكل عام لكن عندما يكون الأمر متعلقا بمصالح الدول والغربية منها على وجه التحديد، فان الرأي العام هذا لن يشغل حينها موقع الأولوية في اهتمامات الدول.

وفيما يخص غزة فان إجماع الطبقة الحاكمة وصناع القرار في الغرب يقوم على أن الدول الغربية يجب أن تقدم الدعم لاسرائيل في مطلق الأحوال لذلك فقد أغلقوا أعينهم على المجازر التي طالت وتطال ألوف المدنيين الفلسطينيين والتي تنفذها اسرائيل في غزة والضفة الغربية، وحتى أنهم دعموا إن بشكل مباشر أو غير مباشر، هذه الإبادة الجماعية.

وعليه لا بد من القول أن الحرب على غزة، وقبل أن تمثل فضيحة غير مسبوقة لاسرائيل أمام مرآى ومسمع الرأي العام العالمي، وجعلت هذا الكيان يغوص في وحل عسكري ومستنقع أخلاقي، أقحمت الدول الغربية التي ترى أن مصالحها تكمن في مساندة إسرائيل الموضوعة يدها على الزناد، في ذلك الوحل. لذلك قد يستغرق الوقت طويلا وربما لسنوات مديدة حتى بعد انتهاء الحرب على غزة، لكي تتمكن الدول الغربية من إعادة تأهيل سمعتها المشوهة أمام شعوبها وشعوب العالم وربما لا تستطيع أبدا التعويض عن هذه الفضيحة الأخلاقية والإنسانية وأن تضطلع مرة ثانية بدور “الناصح الأمين” للدول الأخرى وشعوب العالم، لان يدها باتت تعطي رائحة الدماء البريئة التي تُسفك في غزة.

شفقنا

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com