لم يزل قادة الكيان الاسرائيلي يعملون على تحقيق حلمهم بقيام دولتهم “الشرعية”، عبر الحصول على اعتراف الدول العربية من خلال اتفاقات التطبيع التي بدأت في كامب ديفيد عام 1978 مع مصر، مرورا باتفاقية أوسلو عام 1993 مع السلطة الفلسطينية، واتفاقية وادي عربة عام 1994 مع المملكة الأردنية، وصولا الى إتفاقيات التطبيع الجديدة التي أقامتها كل من الإمارات العربية المتحدة والمملكة البحرينية والجمهورية السودانية والمملكة المغربية والتي اعتبرت كلها تطبيع مجاني مع الكيان الإسرائيلي، وهدايا قدمها النظام العربي للإدارة الأمريكية السابقة.
حركة التطبيع المستحدثة ما هي إلا محاولات النظام العربي الجديد لإعادة التموضع في ظل التغيرات الدولية في الشرق الأوسط، والتي أدت إلى سقوط النظام العربي القديم الذي عارض حركة التطبيع، ولم يعترف بالكيان الإسرائيلي نظرًا للحساسية الشعبية التي يشكلها هذا الملف، ولم هذه المتغيرات والتي أدت الى سقوط أنظمة واهتزاز أخرى، كما سبّب خلافًا إيرانيًا مع بعض دول الخليج، وتدخل روسيا في الحرب على سوريا، وحربًا على دولة اليمن، وتوسع رقعة انتشار الفكر المتطرف
كل هذه المتغيرات وضعتنا اليوم أمام خريطة نفوذ جديدة في الشرق الأوسط، وتصادم المشاريع في المنطقة، والتي لسبب ما لم تتضمن أي مشروع عربي محض، فكل الأحداث الجارية هي ما بين الدول الإقليمية كإيران وتركيا وأثيوبيا، أو دولية كالصين وروسيا والولايات المتحدة الأمريكية، مما جعل بعض القادة العرب يحتمون تحت مظلة التطبيع للحفاظ على عروشهم بالحد الأدنى، في انتظار إنتهاء عملية توزيع النفوذ وما قد يخرج من مقررات ان كان في بغداد التي تحوي مفاوضات مباشرة بين الرياض وطهران، أو الإنفتاحة الإمارتية على دمشق، أو المفاوضات النووية في فيينا.
في المقابل لايزال الشارع العربي يعارض حركة التطبيع، وهذا ما ظهر مؤخرًا وبشكل جلي بتفاعل الجمهور العربي مع نشيد فدائي وذلك في افتتاح مباريات كأس العرب في الدوحة، بالرغم من محاولة الإعلام العربي ومن خلفه أنظمة المطبعين الجدد، أن يكسروا حاجز العداء مع “العدو الصهيوني” بأشكال مختلفة إن كان ثقافيًا أو إعلاميًا أو رياضيا، أو من خلال محاولة تغيير الصورة النمطية لإسرائيل عند الجيل العربي الصاعد، عبر البروباغندا الإعلامية المدعومة من أنظمة التطبيع في سبيل جعل إسرائيل دولة طبيعية في محيطها العربي.
كل هذه المحاولات زادت من إصرار لبنان، حكومة وشعبُا على عدم الانخراط في مشروع التطبيع رغم الضغوطات الأمريكية إن كان في عملية ترسيم الحدود والتي طالب الوسيط الأمريكي من الجانب اللبناني بدء المفاوضات بشكل مباشر، كذلك الأمر ينسحب على الضغوطات الدولية للبدء بالتنقيب واستخراج الغاز من المياه الإقليمية، حيث لم تلحظ موازنة شركة توتال (والتي تعتبر المشغّلة لائتلاف الشركات المكوّن من توتال وإني ونوفاتك) اي عمليات تنقيب في البحر اللبناني.
وبالرغم من بعض الأصوات الناشزة التي تدعو إلى التطبيع سرًا وعلانية، يبقى القانون اللبناني هو الفيصل في هذه الدعوات، حيث أنه يعتبر أي تواصل مع الإسرائيليين بمثابة جناية يعاقب عليها القانون، إضافة الى ما انه يعتبر خيانة لدماء الشهداء الذين سقطوا على يد آلة القتل الصهيونية منذ تأسيس الكيان عام 1948. تطبيع
في المحصلة، لم تحصل الدول العربية التي اعتمدت نهج التطبيع سابقًا على أي امتيازات، ان كان الأردن أو مصر، ليمكن البناء على أن الأنظمة المطبعة الجديدة ستحصل على هذه الإمتيازات، وعليه يجب الإعتماد مبدأ المقاطعة ودعم حركات التحرر في فلسطين، نظرًا لأن أصل وجود كيان مغتصب هو تهديد للأمن القومي العربي، وتهديد للوجود كله في ظل مطامع الصهاينة، وسياستهم التوسعية.
