الرّعب المَرَضي مِن الأماكن المَفتوحَة هوَ ما يلمُّ بِكَ إذا لَم تَكُن طائِفيّاً أربعةً وعشرين قيراطًا. ما أن تَدخُل عرينَكَ الصّغير تشعُر أنّكَ بأمان وتتنفّس الصّعداء. ضّحايا الأغورافوبيا كُثُر. منهُم مَن تأدلَجَ بالإلحاحِ والإصرار ترغيباً وتَرهيباً فباتَ مقتَنِعاً أنَّ لبنانَهُ مِن البَربارَة إلى نهرِ الكَلب ومِنهُم مَن تمَّ إغراؤهُ بإمارَة شماليَّة أو أخرَى جنوبيَّة. لبنان تقتلُهُ كلّ يَوم لعنة الطائفيَّة.

ما مَعنى أن تَكونَ طائِفيّاً ؟ لا يمكنُكَ إختِبار الطائِفيّة كقوّة تَدميريَّة إلا عِندمَا تشدُّكَ الهِمَّة إلى زيارَة كانتونَ أخيك غير المُعلَن. تُحاوِل جاهِداً إعتِماد كليشهات وحدويَّة مِن قبيل أننا ” أبناء جلدَة واحِدَة ” لكن يَظهَر على لكنَتِكَ شيئٌ مِن الرجرَجَة. تعرِف أنَّكَ تَكذِب على قاطِن الكانتون ويعرِفُ هوَ أنكَّ مِن كانتونٍ آخَر. يفضحُكَ إسمُك ومسقط رأسِك وبعض المجوهرات التي تطوّقُ بها عُنُقَك. المسيح وسيف ذو الفِقار برّاء منك عزيزي.

مِن العَوارِض التي تساِعِدُكَ على اكتِشافِ المرَض أيضاً شعورُكَ أنَّكَ صاحب ديانة درجة أولَى. ديانة إكسترا. حالما ينتابُك هذا الشعور تظهر عليك عوارض أخرى. تعداد فضائلك التاريخية على الآخَر. تتحوّل فوراً إلى كائِن رُبوبي. أفضالُكَ تصبِحُ سابِقَة وخيراتُكَ موزَّعَة على عدم المحظيين مثلك بشرف الولادة في كنف طقس وشعائر محددة. كأنك تقتني فيراري فيما غيرك يسير على عجلتَي دراجة هوائيَّة. أنت مسرع نحو الحضارة والتمدّن وهو بدو رُحَّل.

توقف عن القراءة لبرهة وتفكّر إنما بصدق. هل تشعر بهذه العوارض؟ أحد العوارض هو أن تلعن كاتب هذه المقالة. بشرفِك ألم أُصِب فيكَ مقتلاً؟

أن تكون طائفياً أيضاً هو أن ” تُبرحِش ” في سلّة مهملات التاريخ عن إنجازات تاريخية اسكندر مقدونيّة تُظهِر أن أسلافَكَ أبطال حتى ولو ارتكبوا جرائم المسكب. تفتّش عن كل ما يغسلهم وتهزأ بكل من يدينهم. أنت جاهز والحالة هذه لارتداء ثوب الحقد مكويّاً بالشواهد ومنزّهاً عن بُقَعِ التهمة. تخرج بعدها لتتباهى أنّك شيعي أو سنّي أو ماروني أو كاثوليكي أو أرثوذكسي. لا يهم حتى أن تكون من الأقليات. ستجد في الكتب المنحولة من يؤكد لك أن للأقليات فضل على الأكثريات.

بعد استكمال كل هذا مبروك. صرت جاهزاً للقتل. إذا قتلتَ بيدِك ستجِد من يجعلك ضحية وستجد ألف محامٍ يدافعون عنك ليخرجوك براءة أو قتل من دون نية جرميّة. ستكون من قتَلَة العدالة أيضاً. ينسحب ذلك على قُصرِ نظرِك السياسي. ستقول في سريرتك أنه يجب تحويل الكانتون النفسي إلى كانتون سياسي. تتفدرَل وتغتبط لذلك في بلدٍ أصغَر مِن بطن العقربة فيه أقليات في كل دسكَرَة. ستركّز على التطهير. كاثوليك رأس بعلبك سيتدبّروا أمرهم. فليتشيّعوا. شيعة جبيل فليتمَورنوا. يكتمل بذلك عهر مرضِكَ الخبيث.

جُرِّبَت معك كلُّ العقاقير. من العلاج الكيميائي إلى الإستئصال. ورمك يتعاظم كلّما بَترتَه. موتُك وإعادة إحيائِك وحدهما يكفلان شفائَكَ التام. لكنك تهرب من الترياق. إذا كنت من الأصحّاء ستكون مسألة وقت قبل أن تنضمّ إلى المتنوّرين الذين اضطهدوك وقتلوك وأفقروك.

لبنان مصحّ يديره منتحلو صفة أطبّاء. التطهير العرقي الذي يمارسونه أوسَخ من تطهير الهنود الحمر في أميركا. ستون مليوناً أُبيدوا وكان الحل باستيلاء الأوروبيين على أراضيهم بدعوة كريمة من الأميركيين ضمن مَقولَة إحتلّوا الأرض واسفكوا العَرض. الروس أبادوا المسلمين في سوتشي على ضفاف البحر الأحمر وتتباهى سوتشي اليوم أنها مركز مفاوضات بين روسيا والمعارضة. مينامار، فلسطين، يوغسلافيا، يهود ألمانيا الذين تحوّلوا إلى حفلة شواء كرمى عيون العرق الآري.. واليوم لبنان.

إبادة للبنان يوحنا بولس الثاني وإعادة إحياء للبنان هولاكو. عزيزي أمامك خياران لا ثالث لهما. أن تنضمّ إلى منظومة الأحقاد أو أن تغتالُك المنظومة. كن طائفيّاً عزيزي وتمتّع بالدَم. أليس دمُ الآخَر أقلّ خطراً عليك من دمك الطائفي؟ إشرَبهُ في قدَح متمتّعاً بنرجيلتِكَ على ضفاف البحر الأبيض المتوسّط.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com