تشهد بيروت زحمة ديبلوماسية تدخل في الإطار الإيجابي إذا أحسنت الحكومة استغلال هذه المحطات العربية والغربية والايرانية والتعاطي مع هذا الزخم المرافق لتطوير قنوات التفاوض مع دول الزائرين، ولا سيما بعد فتح قنوات المفاوضات مع صندوق النقد الدولي الذي بات يشكل “خشبة خلاص” للخروج من كل الازمات المالية والاقتصادية، شرط ان يحسن ال#لبنانيون النهوض بمؤسساتهم وتحصينها بعد انكشاف مزاريب الهدر والفساد التي تحكمت بمفاصل الدولة، ولم يعد هناك مهرب من إقرار الاصلاحات وتطبيقها.

ولا ينفك موفد، ولا سيما من طرف الغربيين، عن تشديده على ضرورة التركيز على موضوع الاصلاحات وربطها بخطوات الدعم التي تنتظرها الحكومة، والتي يجري التعويل عليها، وهذا ما يركز عليه المبعوث الفرنسي بيار دوكين. وفي معرض زيارات الوفود الاجنبية إلى بيروت وكان آخرها لوزير الخارجية الايراني حسين أمير عبد اللهيان أمس، ما يؤكد ان بيروت تبقى ساحة لتنافس الافرقاء الغربيين والعرب مع استمرار الانكفاءة الخليجية، ولا سيما من الجانب السعودي الذي لم تظهر اي اشارة منه حيال مقاربة تعاطيه مع حكومة الرئيس #نجيب ميقاتي رغم الجهود الفرنسية المبذولة في هذا الصدد. ولذلك تبقى الورقة اللبنانية محل متابعة عند أكثر من عاصمة نظرا إلى تأثيرها في رسم سياسات بلد درجت العادة ان تكون ابوابه مشرعة على الخارج وتأثيره منذ الاستقلال إلى اليوم. ولا يرى متحمسون لسياسة طهران ان زيارة عبد اللهيان “استفزازية” ولو أنه أعلن مشاركة بلاده في كسر الحصار على لبنان مع انفتاحها على السعودية وتعاون مصر والاردن وغيرهما مع سوريا.

وبعد تشكيل الحكومة ينتظر المواطنون حصول تبدلات على مستوى روتين حياتهم اليومية القاسية من خلال السعي إلى توفير المحروقات التي لم تنتظم بعد من جراء سيطرة المافيات على السوق بغض النظر عمن يشغل وزارة الطاقة، فضلا عن السعي إلى تأمين التيار الكهربائي ولو بعدد محدود من الساعات. ويتصدر هذا القطاع اولى متابعات الرئيس ميقاتي الذي يرفض استمرار المواطنين في العيش على وتيرة هذه المعاناة المفتوحة. وهذا ما قاله على مسمع اعضاء في حكومته بأنه من غير المقبول مواصلة حال الكهرباء في لبنان على هذا المنوال “وآخر بلدة في افريقيا وصلتها الكهرباء قبل سنين وتسير فيها بانتظام من دون انقطاع”. ولذلك ينصب جهده الاول على الكهرباء بغية عدم استمرار استنزاف المواطنين مع انقطاع التيار عن منازلهم وتعطل اعمالهم. ولم يغب موضوع الكهرباء عن لقاءات عبد اللهيان مع المسؤولين اللبنانيين، ولا يزال يكرر موقف بلاده بأنها على استعداد لبناء محطات كهرباء في لبنان على غرار ما طبقته في العراق الذي تمكن من الحصول على استثناء من العقوبات الاميركية. وظهر وكأنه يقول ان في امكان لبنان فعل هذا الامر. وابدى كامل استعداد بلاده لدعم الحكومة في شتى قطاعات التعاون بين البلدين، وهذا ما ردده على مسامع الرؤساء الثلاثة. وكان تشديد ايراني على “دعم لبنان من دون وضع اي شروط” وتقديم كل المساعدات المطلوبة للحكومة الجديدة.

وفي معلومات لـ”النهار” ان عبد اللهيان وضع الرئيس نبيه بري في الاتصالات المباشرة بين طهران والرياض والتي تلتئم في بغداد بدعم من رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي الناشط على خط تقريب المسافات بين جارَي بلده. ويرى عبد اللهيان ان هذه المفاوضات وصلت إلى “مرحلة متقدمة” يمكن التعويل عليها، وان الجانب السعودي يكتفي في اللقاءات إلى الآن بحضور مفاوضين أمنيين. وتتطلع إيران إلى اشراك ديبلوماسيين ايضا لأن المفاوض الامني يحتاج إلى مراجعة قيادته قبل البت بأي نقطة يمكن الاتفاق عليها. وهذا ما يفعله الجانب السعودي. ولا تريد طهران من اعادة العلاقات مع الرياض وضع اي شروط مسبقة، وتتعاطى مع هذا الملف بروح من الانفتاح والتلاقي.

ويخلص رأس الديبلوماسية الايرانية إلى أن الأمور تسير ايجاباً مع السعودية وأن بلاده لن تقصر في الاستفادة من اي نافذة ايجابية تساعد في تمتين العلاقات بين الدول العربية والاسلامية، وكان ثمة تأكيد من المسؤول الايراني على مواقف بري القديمة – الجديدة التي تشدد على حسن الجوار والتعاون بين بلدان المنطقة وعلى رأسها ايران والسعودية نظرا إلى الموقع الذي تحتله كل منهما، وان هذا التعاون وتطوير العلاقات الديبلوماسية والاقتصادية بين هذه الدول يساعد شعوبها على التعاون وتكون لهذا الفعل ارتدادات ايجابية على المنطقة وستشكل في رأيه مصدر قلق للاسرائيلي. ويشدد عبد اللهيان هنا على ان بلاده ستستمر في فتح صفحات التلاقي مع السعودية وسائر البلدان العربية مهما أقدمت اميركا واسرائيل على زرع الالغام بين الدول الجارة والصديقة في المنطقة. وبالطبع حضر ملف اليمن وتشعباته في لقاءات عبد اللهيان، وعلى رغم تعقيداته والآثار التي خلّفها يمكن التوصل بحسب جهات ديبلوماسية إلى وقف الاشتباك بالنار على ارض اليمن واستبدال منصات الصواريخ بطاولات الحوار والديبلوماسية وسياسة التلاقي بين ابناء اليمن، وإقدام الدول الصديقة على مساعدتهم والنهوض ببلدهم بعد كل هذه السنوات من الحرب. وكانت هناك اطلالة على المفاوضات النووية في فيينا، فأشار عبد اللهيان إلى ان من المتوقع ان تسترجع جلساتها قريباً وان بلاده لا تتساهل في هذا الملف الحساس. ومن هنا كان المسؤولون اللبنانيون يسألون ضيفهم الايراني عما آلت اليه اتصالات بلاده مع الاميركيين في فيينا ومع السعودية حيث لا مفر من اللقاء بين الرياض وطهران وعرض ملفات خلافهما على الطاولة مهما كبرت مساحة التباعد والخلافات بين عاصمتين اساسيتين في المنطقة. واي تقارب بينهما ستصيب شظاياه الايجابية بيروت التي تخيم عليها عتمتان سياسية وكهربائية!

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com