ما من شك في انّ الولايات المتحدة الاميركية، الساعية الى تركيز مداميك استراتيجيتها المتعلقة باحتواء التمدّد الصيني على الخريطة العالمية، تعمل على إعادة ترتيب الشرق الاوسط بنحو يحفظ مصالحها، وعلى أساس إقفال ساحاته في وجه الصين، التي أبدت اهتماماً خاصاً بهذه المنطقة الحيوية من العالم. لذلك تسعى واشنطن الى إعادة وضع معادلات ملائمة للعقود المقبلة في الشرق الاوسط.

وخلال العقود الماضية، ارتكزت الاستراتيجية الاميركية في الشرق الاوسط على تعزيز دور اسرائيل العسكري، كثكنة اميركية على ابواب الخليج، حيث منابع النفط الأكبر في العالم، وعلى رعاية تركيا، من خلال حماية إمساك العسكر بالسلطة وجعلها حجر الزاوية في حلف شمال الاطلسي، كونها تشكّل سداً قوياً في وجه اي تقدّم سوفياتي في اتجاه دول الخليج العربي.

صحيح انّ ايران في ظلّ حكم الشاه تولّت بعضاً من هذا الدور، الّا أنّ الثورة الإسلامية الايرانية شكّلت ازعاجاً دينياً للحزب الشيوعي السوفياتي الملحد. اما الآنّ، فإنّ الولايات المتحدة الاميركية تريد تركيب معادلة جديدة في الشرق الاوسط، تسمح لها بالتفرّغ لسياسة احتواء الصين.

ورغم انّ اسواق الشرق الاوسط تمثل نسبة متواضعة من إجمالي التجارة الاميركية، الّا انّ المنطقة تُعتبر سوقاً نامية للأنشطة التجارية والاستثمارية الاميركية، ما يستوجب رعايتها ولو من خلال تفاهمات جديدة.

في الرؤية الاميركية الجديدة، بقي اللاعبون الأساسيون الثلاثة في صلب المعادلة، والمقصود بهم ايران وتركيا واسرائيل، ولكن لاعباً جديداً دخل بقوة الى المعادلة من خلال الساحة السورية، والمقصود به روسيا.

من المفترض ان تتزعم اسرائيل المجموعة المناهضة لإيران ومشروعها القاضي بتصدير الثورة الإسلامية، وهو ما يستوجب أولاً الاعتراف بالحضور الاسرائيلي كدولة طبيعية بين محيطها، والسبيل الى ذلك من خلال تحقيق معاهدات الصلح والتطبيع، وهو ما بدأ تنفيذه بوتيرة سريعة بعد سلام بارد مع مصر، وسلام بمفاعيل أمنية اكثر منه سياسية واقتصادية مع الاردن.

من هنا بدأ تنفيذ «اتفاقيات ابراهيم» من خلال الامارات والبحرين، وعلاقة شبه رسمية مع سلطنة عمان. لكن اسرائيل تدرك انّها في حاجة الى علاقة تطبيع خصوصاً مع السعودية والكويت، وهو ما تعمل واشنطن على تحضير أرضيته بالإغراء او بالضغط. الإمارات أصبحت حالياً اكبر شريك تجاري لاسرائيل في الشرق الاوسط، حيث وصل التبادل التجاري بينهما منذ إقرار التطبيع الى نحو 600 مليون دولار.

وأخيراً، زار وزير الخارجية الاسرائيلية يائير لابيد البحرين، وتمّ التقاط صورة معبّرة جداً وتلخّص الواقع جيداً. الصورة التُقطت في القاعدة الاميركية في البحرين، حيث قيادة الاسطول الخامس الاميركي. وظهر في الصورة وزيرا خارجية اسرائيل والبحرين يتوسطهما قائد الاسطول الاميرال براد كوبر. الرسالة واضحة، وهي أنّ واشنطن ترعى التطبيع العربي مع اسرائيل وتحميه، خصوصاً أنّ القاعدة الاميركية في البحرين مواجهة للساحل الإيراني.

أضف الى ذلك، انّ الاسطول الخامس الاميركي يعمل في المحيط الهندي والخليج، حيث حصلت مواجهات بحرية عدة، كانت ايران الطرف الرئيسي فيها. لكن ايران باتت حاضرة عسكرياً وبقوة في اليمن والعراق وسوريا ولبنان، وهو ما يجعل اسرائيل مطوّقة، خصوصاً اذا أضفنا اليها «حماس» في غزة. وهذا يعني انّ اسرائيل ستكون عاجزة عن القيام بالوظيفة التي ارادتها لنفسها طوال العقود المقبلة.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com