معلومٌ أنّ الجنرال ميشال عون كان من أكثر المعارضين لاتفاق الطائف في أواخر ثمانينات القرن الماضي. واعتراضه هذا، وقبل قراءة النص، كان نابعاً من كون الإتفاق صناعة خارجية يتداخل فيها الإحتلال والإرتهان والفَرض، وليس صناعة وطنية وليدة أفكار سيادية استقلالية جامعة لأفرقاء لبنانيين يريدون العيش معاً تحت سقفِ نصٍّ يحترم الخصوصيات ويطوّر المؤسسات وينجّي الوطن من الخضّات المتتالية. هذا كان أساس الإعتراض. اعتراض على مبدأ أنه لا يجوز أن يفرض علينا آخرون كلمتهم، وأن يُساق نوّابنا إلى حيث التوقيع المفروض فرضاً.
وحده لم يأخذوا توقيعه، ذاك الذي يستخدمه الآن ليعيد إلى النصّ روحاً مسروقة، بعدما صار رئيساً لجمهورية هذا هو دستورها، ولا حول ولا وقد أقسم اليمين للحفاظ عليه.
فالرئيس عون لا يذهب إلى تعديل دستوري أو إلى دستور جديد من دون اتفاق داخلي، وهو حتماً لا يذهب إلى تعديل دستور أو إلى دستور جديد يريده الخارج الذي له أيادٍ دائمة في لبنان.
ولذلك تعامل مع الطائف كواقع، أو هو عدّل الطائف بتطبيقه.
وكلّ الإتهامات التي سيقت ضدّه ما بعد العودة لمنعه من الوصول إلى الرئاسة بحجة عدم غرامه بالطائف قد سقطت، لأنّ ميشال عون هو الوحيد الذي طبّق هذا الطائف إلى حدّ بعيد. فنقلنا من الإتفاق الثلاثي الذي كان سائداً تحت عنوان الطائف، إلى روحية الطائف التي لم يطبّقها أي أحد آخر يوماً.
كيف؟
أولاً: الرئيس عون أحيا مواداً دستورية لم يستخدمها أي رئيس بعد الطائف ومنها الرسائل المتلاحقة إلى المجلس النيابي، واستخدام حقه الدستوري بتعطيل انعقاد المجلس، وتفعيل عمل المجلس الأعلى للدفاع وعدم تركه على أهميته لزوم ما لا يلزم، فحوّله إلى مؤسسة قائمة وفاعلة وتملأ الفراغ في الوقت المناسب. كذلك عقد اجتماعات متخصّصة على علاقة بشؤون أمنية واقتصادية ومالية وتدخّل في وقت الأزمات وطرح أفكاراً واقتراحات تحوّلت إلى مشاريع قوانين أو قرارات ومراسيم؛ وكل ذلك من صلب الدستور الذي أهملوه أو فسّروه وفق مصالحهم.
ثانياً: الرئيس عون طبّق الميثاقية المنصوص عنها بالدستور وجعلها ميثاقية حقيقية لا ميثاقية صورية كتلك التي ابتدعها الثلاثي بري- الحريري- جنبلاط أيام حكمهم بظلّ الإحتلال، وجعل من المسيحي شريكاً فعلياً وفاعلاً، وصارت له كلمة وتمثيلاً جدّياً في المؤسسات الدستورية وعلى رأسها مجلس النواب والحكومة. والقانون الإنتخابي البرلماني الأخير وكيفية تسمية الوزراء المسيحيين شهود، وكذلك الإدارات العامة.
ثالثاً: أعطى الرئيس عون للتوقيع على مرسوم تشكيل الحكومة معناه الحقيقي. لم يعد معه توقيعاً ثانوياً كما كان سائداً بل صار توقيعاً أساسياً يجعل من رئيس الجمهورية شريكاً له كلمته ورأيه، وهذا في صلب الطائف ولكنه لم يكن مطبّقاً. وبالتالي، مهّد الرئيس عون الطريق لكلّ رؤساء الجمهورية الآتين، ليكونوا أصحاب دور وموقع لا أصحاب موقع فقط، وأرسى مفهوم الشراكة بعمقه لاغياً سيطرة مكوّن على آخر من مكونات السلطات الدستورية.
كنّا تحت حكم الطائف بالشكل، ولم يكن هذا الدستور يوماً معمولاً به، بل كان معلّقاً حتى إشعارٍ رفعه الرئيس عون بجرأة فاستحقّ رغم كلّ المزحات السمجة أن يكون فعلاً الرئيس القوي.
ويبقى أنّ الرئيس القوي يعمل على إعادة إحياء مواد ميتة أخرى في الدستور ومنها على سبيل المثال لا الحصر نظام المجلسين أي النواب والشيوخ من أجل تمثيل الطوائف من جهة والذهاب إلى دولة القانون والمواطنة من جهة أخرى في آن معاً؛ وأيضاً اللامركزية الإدارية الموسّعة التي وحدها تحقّق الإنماء المتوازن الذي بدوره يجعل المواطنين جميعاً متساوين فعلاً في دولة تحترم حقوقهم الأساسية.
إنّ ميشال عون، طوى صفحة طائف زعماء الميليشيات والمال والفساد، وفتح صفحة طائف جديد، هو الطائف إياه ولكن المعدّل بحكم تطبيقه!
فيا أيها الطائفيون (من أتباع الطائف) نأسف لإزعاجكم لأنّ الرئيس ميشال عون يطبّق الدستور الذي تظلّلتم به فيما كنتم تطعنونه كل يوم بخنجر.
