كتب حسين قاسم

قامت المملكة العربية السعودية منذ تأسيسها على رباط وثيق بين السياسة والدين، خاصة ميثاق الدرعية المبرم في القرن الثامن عشر بين آل سعود أحفاد سعود الأول من جهة، وآل الشيخ أحفاد محمد بن عبد الوهاب من جهة اخرى، وهو ما انعكس في الدولة السعودية الحديثة على تسلم آل سعود سياسة الدولة، بينما تسلم آل الشيخ الإفتاء والدعوة السلفية. ولطالما كان هذا الرباط الوثيق هو المسيّر الأول للدولة والمجتمع، والمحرك الأساسي للسلطة والأفراد، والكابح القوي في وجه تقدم السعودية وإلتحاقها في ركب دول العالم الأول، الى ان جاء ولي العهد الحالي محمد بن سلمان وضرب بهذا الميثاق عرض الحائط عبر التنظير للدولة السعودية الرابعة التي ستنشأ عام 2030.
رؤية 2030 لبن سلمان قائمة على الإصلاح الإداري والثقافي تمهيدًا للإصلاح الإقتصادي، حيث ان المملكة ستصبح أرضًا خصبةً لجذب الإستثمارات، مما يحوّل الإقتصاد من إقتصادٍ نفطيٍ الى إقتصادٍ متنوع المداخيل، حيث ان الإيرادات النفطية تشكل 90% من إيرادات الدولة، وبالتالي يعتبر إنخفاض أسعار النفط تهديدًا حقيقيًا لإستمرارية النهوض، كذلك تهدف الرؤية الى وسم المملكة بالإنفتاح على الأخرين بعد عقودٍ من فتاوى التكفيير والإقصاء التي أصدرتها المؤسسة الدينية المتجذرة في المجتمع والتي تعتبر إحدى مراكز العقد والحل في المملكة، لذلك عمل بن سلمان على الحد من نفوذها عبر إقصاء أصوات التطرف وإزاحة شيوخ التكفير، كي لا تقف هذه المؤسسة حجر عثرة في طريق مشروعه التنموي.
ولعل ابرز المشاريع التي تتضمنها رؤية 2030 هو مشروع مدينة “نيوم” والتي من المفترض ان تكون “دبي البحر الأحمر” فهي منطقة إقتصادية عابرة للحدود تمتد على مساحة 26,500 كلم مربع، في أقصى الشمال السعودي على الحدود مع الأردن، وترتبط مع مصر بجسر بحري يمر بجزيرتي تيران وصنافير، وهي مدينة أسست لتكون حاضنة للمبتكرين والإنسان المتفرغ للتطور، وهي تمهد لقيام الثورة الصناعية والتكنولوجية في المملكة والدول المحيطة بها.
في المقابل يواجه هذا المشروع الكثير من التعقيدات والصعوبات السياسية التي تبدأ بحتمية التطبيع العلني مع إسرائيل، خاصة ان السفن الإسرائيلية ستمر تحت الجسر البحري الذي سيربط المملكة مع مصر، ولا يمكن للمملكة بأي حال من الأحوال منع السفن الإسرائيلية من المرور، وبالتالي سيظهر التنسيق السعودي الإسرائيلي الى العلن، خاصة ان المدينة كانت قد جمعت محمد بن سلمان بالرئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” بلقاء سري فضحه الإعلام العبري، ونفاه الإعلام السعودي في تشرين الثاني من العام المنصرم. مع علم مسبق ان كل اتفاقيات التطبيع منذ “كامب دايفد” فشلت بتطبيع العلاقات بين الشعوب، وهذا الأمر ينطبق على الشعب السعودي فضلًا جزء لا يستهان به من العائلة الحاكمة والذين يرفضون التطبيع، ويرفضون معها تصرفات “بن سلمان”
الصين هي الأخرى ترغب بالدخول في هذا المشروع خاصة ان السعودية تريد ان تكون شريكةً للصين في الحزام والطريق كما حال مع إسرائيل، وبالتالي من المخطط ان تربط الصين مدينة “نيوم” بخط سكة حديدي يمتد من إيلات الى أشدود مرورًا بتل أبيب وحيفا، ويكون هذا الخط البري مكملًا للخط البحري الذي يعبر قناة السويس. تربح الصين من خلاله طريقًا جديدًا على طريق الحرير، اما السعودية فتستفيد من إطلالة على البحر الأبيض المتوسط، وإسرائيل تكون شريكةً في هذه النهضة التكنولوجية.
من ناحية أخرى تبرز عقبة الحرب الإقتصادية المستعرة بين الولايات المتحدة والصين، والمكان الذي سيقف فيه “بن سلمان” كي يحمي نفسه من الغضب الأمريكي، خاصة ان الرئيس “جو بايدن” بدأ بفتح ملفات بن سلمان للإبتزاز السياسي والمالي وليس لإحقاق الحق.
الى جانب هذه العقبات تبرز العقبات التمويلية، حيث تقدر تكلفة مشروع مدينة “نيوم” بحوالي الـ 500 مليار دولار، يؤمن منها 230 مليار من الصندوق السيادي السعودي، إضافة الى تأمين 100 مليار بعد وضع شركة أرامكو والتي تسيطر على أكبر إحتياط نفطي في العالم في الإكتتاب العام، بهدف خصخصة 5% منها، حيث ان هذه الخطوة قد تعثرت بسبب ان تقدير السلطات لقيمة الشركة بلغ 2 ترليون دولار، بينما تقديرات البنوك والشركات الإستثمارية بلغت 1.3 ترليون دولار. وذلك بسبب الضربات التي تتلقها المنشأت النفطية من قبل اليمنيين في معرض ردهم على الحرب المفروضة عليهم. حيث كان الإستهداف الاول في 14 أيلول عندما استهدفت منشأتي بقيق وهجرة خُرَيص عبر طائرات مسيرة وصواريخ كروز، أما الإستهداف الثاني في 23 تشرين الثاني والذي استهدف محطة توزيع أرامكو الرئيسية في جدة، بينما الهجوم الثالث كان في الثالث من شهر أذار حيث تمّ استهداف منشأة تخزين النفط في رأس تنورة، وهو أكبر ميناء نفطي في العالم. أما الهجوم الأخير فتم في 19 أذار حيث تم إستهداف مصفاة النفط في العاصمة السعودية الرياض. إضافة الى ذلك تكمن معضلة عدم الكشف عن كامل الإحتياطات الموجودة في المملكة، مما يؤدي الى عدم قدرة البنوك على تحديد سعر واضح ونهائي للشركة، ناهيك عن انخفاض الطلب على النفط بسبب توفر النفط الصخري الى جانب موارد الطاقة النظيفة.
الى ذلك تعتمد سياسات “بن سلمان” الإقتصادية على فرض مزيدٍ من الضرائب على الشعب، مما يعني حكما تبديلًا لنظام الحكم في الفترة المقبلة، خاصة ان العقد الإجتماعي بين السعوديين قائم على عدم التدخل الشعب في السياسة مقابل تأمين الرفاهية. وعلى القاعدة التي ادت الى إستقلال الولايات المتحدة الأمريكية عن المملكة المتحدة “لا ضرائب بدون تمثيل” يبدو ان الأمور متجهة نحو إستبدال العقد الإجتماعي توازيًا مع استبدال نظام الحكم القائم على الملكية المطلقة الى نظام حكم قائم على بأحسن الاحوال على الملكية الدستورية، ويؤمن بعض الحريات لمواطنيه.
في المحصلة لا يبدو ان اي تغيير شامل يطرأ على المجتمع لابد له الا ان يصطدم بالمستفدين من النظام القائم ضمن امتيازاتهم، ، فالسياسات الإقتصادية الجديدة التي اتبعها انور السادات في مصر أدت الى انتفاضة الخبز عام 1977، والإصلاحات الإدارية والإقتصادية التي قادها ميخائيل غورباتشوف أدت الى تفكك الإتحاد السوفيتي عام 1991. فهل ستتمكن السعودية من تطبيق رؤية 2030 مع كل هذه العقبات ؟

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com