هل تولد الحكومة “ولادة سباعية”؟! أم طبيعية؟! بعد الصرعْ الذي أصاب اللبنانيين من التبدلات السياسية التي باتت غير مألوفة وغير مطمئنة حتى انها لا تجدي نفعاً. فكل ما يسمع ويقال ما هو الا نقاشات غير مجدية وفلسفة إن دخلت فهي لا تدخل إلا في قاموس الجدل البيزنطي. الناس جياع والفقر يتسلل يوماً بعد يوم الى بيوتات المقهورين المعذبين المسلوبة أموالهم.
الرئيسان عون والحريري يتبادلان الاتهامات بتعطيل تشكيل الحكومة مما يزيد فرصة ادخال البلد في نفق التعطيل والمراوغة دون اي تقدم ملموس، عذراً كالداخلين صفاً تمهيدياً مجدداً.
سفن النجاة راسية قبالة عين التينة خوفا من غرق التايتنك اللبنانية، وفيما الرئيس بري يسعى جاهداً لتذليل العقبات، يذهب البعض الى تطوير الصراع والعمل على التفرقة والتعطيل دون أن يعلم بأن البلاد لم تعد تحتمل صراعات الأخوة “الاعداء” داخل وطن ينزف وينهار أمام أعين اهل النظر ودون أي بصيرة. حتى الساعة لم تلق المبادرة أي صدى بشأن تأليف الحكومة، لا يعني ابقاء التفاصيل طي الكتمان بأن رئيس المجلس يعجز عن طرح قواعد وركائز المبادرة أمام الرأي العام. لكن يبدو أن الرئيس بري يريد فرض تسوية إنقاذية مرنة بهدوء، بعيداً عن صخب المناورات السياسية التي تدور عادة في البلد لتحسين الشروط الحكومية. مما يعني أنه يؤمّن أرضية خصبة تُتيح تأليف المعنيين حكومة جديدة، على قاعدة ينتهجها عادة “حكيم المجلس” في طرحه التسويات الوطنية: لا غالب ولا مغلوب.
فيما واكبت البطريركية المارونية مبادرة بري داعمة إياها، حيث أن البطريرك الراعي ناشد جميع المسؤولين السياسيين في رسالة الفصح بأن يكفّوا عن السلوك المهينِ والمهيمِن والأنانيِّ والسلطويّ.
وقد علم من مصادر مطلعة ان الوزير الذي سيسميه البطريرك هو وزير الداخلية بموافقة الرئيسين عون والحريري، وذلك كحل وسط لتمسك رئيس الجمهورية بحقيبة الداخلية وتمسك الحريري بان يسمي هو الوزير بالاتفاق مع عون، اي ان لا يكون محسوبا على رئيس الجمهورية.
هذه المبادرة تسلك مساراً جدّياً فاعلاً ومنتجاً على الأقل لم يُرصد هذه المرة وجود سهام سياسية من أي إتجاه تطال مساعي بري، ولا عدم إكتراث، لا بل إن المصادر المطّلعة تؤكد “وجود أجواء إيجابية يُبنى عليها هذه المرة، لم تشهدها مراحل التأليف قبل ذلك، منذ تكليف سعد الحريري بتأليف الحكومة”.
أما المطبخ الاقليمي الخارجي يواكب مجريات مبادرة بري، وينظر بعين الرضا والتأييد لطرح يؤدي لإخراج لبنان من مأزقه. ويلوح في الافق مبادرة ألمانية من شأنها إعادة أعمار مرفأ بيروت، على وقع التواصل بين السعودية وفرنسا وأطماع باتجاه الإستثمار في حقول الغاز والنفط الموعودة في بلوكات لبنان البحرية، بينما الاميركي يسارع لايجاد الحلول ويواكبها عن كثب. كل يسعى الى تطويق مبادرة من شأنها الانحراف شرقا متخوفين من بدء بعض المبادرات الجدية للاتجاه بهذا المسار، بدءاً من اتفاقية النفط العراقي مروراً للاستشارات الصينية.
كل المجريات ان دلت على شيء فهي تشير الى أيام وساعات تدفع المسار الحكومي تجاه ساعة الصفر لأن التراخي والانتظار لم يعد يجدي ولا ينفع. وهناك مخاوف في توسيع رقعة الصراع والانسياب نحو محاذير وصراعات وأزمات أمنية يصفها بعض المراقبين بالمخيفة، ويخشى من تحميل ذلك لأي طرف داخلي هو اصلاً يناور الى حدود الفرملة قبل الدخول في المحظور.
