كتب ألبير خوري
اليوم عيد، والناس نيام. الحكّام أسياد لبنان والمواطنون المغلوب على أمرهم يتقاسمون نعمة النوم بعد ليلة طويلة من الأضواء والضجيج والصخب و”العفرتة” المهضومة حيناً، والمبتذلة أحياناً أخرى.
كان النوم القاسم المشترك لدى الكل. هذا “الكل يعني الكل” يؤسس لسنة جديدة، المفصلية في عمر لبنان. لكن هذا الكل يتعارض في الواقع والأحلام والمتطلبات والهواجس. الأسياد الحكّام ومن يدور في فلكهم من مرتزقة ووصوليين، يتوجسّون شراً على كراسيهم ومناصبهم وثروتهم وسلطتهم بقوة الأمر الواقع، والناس، من الثوار والفقراء والبسطاء، يتأبطون أحلامهم، خوفاً من الضياع، أمام سلطة تمتلك كل أنواع وأحجام الأساليب والمغريات، بما فيها القهر والعنف والمداهنة والتلوّن، وبما يتلاءم مع أقسى التحديات والظروف.
في هذه الأجواء، اللبنانيون في غالبيتهم حيارى أمام توقعات نجوم الفلك والأبراج الذين احتلوا الشاشات المحلية، مبشّرين بأحداث مؤلمة وخطيرة، سياسياً واقتصادياً ومالياً واجتماعياً، تهدّد البلاد ليس فقط بواقعها المتأزم، إنما الأخطر بوجودها وكيانها.. خصوصاً إذا أصرّت السلطة في مواجهة الشارع، اعتماداً على شرعيتها وميثاقيتها، بينما يصرّ الحراك الشعبي من جهة، على رفض هذه السلطة، واعتبارها سلطة فقدت شرعيتها وجمهورها، وبالتالي أهليتها الدستورية والميثاقية بارتفاع حالات الفقر والبطالة والتضخم وتدنّي القدرات الشرائية والمعيشية لدى المواطنين، يرافق ذلك ارتفاع حجم الفساد ونسبة الفاسدين وعجز الدولة عن وقف التدهور الاقتصادي والعملة الوطنية، الى ما هنالك من آفات يحاول الشارع ردعها ومجابهتها سلمياً أقلّه حتى هذه اللحظة، ما لم تؤدِ الظروف الى صدامات دموية وعنيفة بين الجهتين.
التغييرات صفة يتشارك بها الكل، ولكل من الثوار والسلطة وجهة نظرها وتحولاتها.
في ليلة رأس السنة، الكل رفع كأس التحديات والشروط والمطالب. حتى الآن، تبدو الصورة زاهية لدى السلطة، اعبتاراً من أن حكومة حسان دياب باتت جاهزة، كاملة الأوصاف الشرعية والدستورية والميثاقية، وهي جاهزة لتأخذ طريقها نحو السراي الحكومي في الأيام القليلة المقبلة، شاء من شاء وأبى من أبى.. في الإطار نفسه، يرى الثوار أن “حكومة الأمر الواقع” لن تمرّ بسلام وسلاسة الى السلطة المرفوضة أصلاً، ما لم تحظ بثقة الشارع، وتحقيق مطالبه بلا أي انتقاص.. حكومة تقنية، نظيفة ومستقلة، خالية من أي ارتهان لأقطاب سياسيين وأحزاب وطوائف ومذاهب.. حكومة بلا أقنعة، تحمل برنامجها والقدرة على تنفيذه، وبما يؤدي بالتالي، الى إنقاذ البلاد من “مافياتها” السياسية والمالية والحزبية والطائفية والمذهبية، تحضيراً لقيام نظام مدني وجمهورية متأهلة لتأخذ دورها المميز على خارطة الجمهوريات الحديثة والمؤثرة.
وعليه أكادني أقول: إن مستقبل البلاد رهن “سلطة دونكيشوتية” عبثية في رهانها على تشكيل سلطة تنفيذية خالية من قرار الشارع، كما وأن البلاد، أسيرة قرار الشارع الذي يبدو حتى الآن، لا يمتلك زمام أموره، وحركيته التي بدأت عفوية طوباوية، لكنها في نهجها ثورة عارمة تسقط النظام، تراهن على استحقاق يصعب تحقيقه، إن لم يكن استحالته، في جمهورية تتنازعها الانقسامات على كل الأصعدة. للطوائف والمذاهب أدوارها، وكذلك الأحزاب والزعامات والرهانات المحلية والخارجية، وما بين هذه وتلك، ذلك وذينك. المافيات الصغيرة والكبيرة، وكلها مجتمعة حوّلت لبنان من درّة الشرق، إلى ساحات متناتشة، أخطر ما فيها أن تتحوّل البلاد الى جمهورية مفلسة بكل المعايير المحلية والعربية والدولية.