فالعالم الذي يجتمع اليوم في نيويورك لم يعد يشبه العالم الذي تأسست فيه الأمم المتحدة. التوازنات الدولية تبدلت بصورة عميقة، وبرزت قوى جديدة وفاعلة، فيما عادت لغة الأقطاب والصراع على النفوذ إلى الواجهة، في ظل تراجع القدرة على الوصول إلى تفاهمات دولية حول الملفات الأكثر خطورة.
ومن هنا، جاءت كلمات قادة الدول والمسؤولين الدوليين في افتتاح أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة لتعبّر عن حجم القلق الذي يخيّم على المشهد الدولي، في وقت تتسع فيه دائرة الحروب والأزمات، وتتراجع فيه الثقة بقدرة النظام الدولي على إنتاج حلول فعلية.
غوتيريش يدعو إلى إنهاء الحروب وإصلاح المؤسسات الدولية
غوتيريش يدعو إلى إنهاء الحروب وإصلاح المؤسسات الدولية
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، في خطابه الأخير أمام الجمعية العامة قبل انتهاء ولايته، حذّر من اتساع خطوط الانقسام في العالم، ودعا إلى إنهاء الحروب والعودة إلى الحوار والدبلوماسية، مؤكداً الحاجة إلى إصلاح المؤسسات الدولية وتعزيز التعددية، في وقت تواجه فيه المنظومة الدولية تحديات متزايدة في مجالات الأمن والسلام والمناخ والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
لولا دا سيلفا ينتقد جمود مجلس الأمن
لولا دا سيلفا ينتقد جمود مجلس الأمن
أما الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، فقد ذهب أبعد في انتقاد حالة الجمود التي أصابت مجلس الأمن وفقدان الثقة بقدرة المؤسسات الدولية على التعامل مع النزاعات الكبرى، مشدداً على أن الحروب لا يمكن أن تكون بديلاً عن الدبلوماسية، وأن احترام سيادة الدول والتعددية يجب أن يشكلا أساساً للعلاقات الدولية.
قلق دولي من استمرار منطق القوة
قلق دولي من استمرار منطق القوة
وفي هذا المشهد، تبدو الرسالة التي خرجت من نيويورك اليوم واضحة: هناك قلق دولي متزايد من استمرار منطق القوة، ومن أن تتحول الحروب المفتوحة إلى واقع دائم يصعب احتواؤه، في ظل عجز المؤسسات الدولية عن إنتاج تسويات قادرة على وقف النزاعات.
ولم يعد الأمر متعلقاً بحرب واحدة أو أزمة واحدة. فالشرق الأوسط، من غزة إلى الخليج وإيران، إضافة إلى الحرب في أوكرانيا وغيرها من بؤر التوتر، بات يشكل شبكة مترابطة من الأزمات، بحيث يمكن لأي تصعيد في منطقة أن يترك تداعيات مباشرة على مناطق أخرى.
الموقف القطري وأولوية الحوار والدبلوماسية
الموقف القطري وأولوية الحوار والدبلوماسية
وفي هذا السياق، برز الموقف القطري الذي جدد التأكيد على أولوية الحوار والدبلوماسية في معالجة أزمات المنطقة، وعلى ضرورة التوصل إلى حل دبلوماسي مستدام للأزمة مع إيران، وتهيئة الظروف لاستئناف المفاوضات بما يساهم في وقف التصعيد ومنع اتساع رقعة الصراع. كما أكدت الدوحة استمرار جهودها، بالتنسيق مع مصر والولايات المتحدة، لدفع تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في غزة وتحسين الوضع الإنساني فيها.
غزة في قلب النقاش الدولي
غزة في قلب النقاش الدولي
أما غزة، فبقيت في قلب النقاش الدولي، ليس فقط بسبب حجم المأساة الإنسانية التي خلّفتها الحرب، وإنما أيضاً بسبب التداعيات التي باتت تطاول صورة النظام الدولي وقدرته على حماية المدنيين وتطبيق قواعد القانون الدولي.
وفي هذا الإطار، فإن الحديث عن المجازر والانتهاكات وجرائم الحرب لم يعد مجرد جزء من الخطاب السياسي للأطراف المتصارعة، بل أصبح محوراً في نقاش دولي أوسع حول مستقبل العدالة الدولية، وحول قدرة المؤسسات القائمة على ضمان تطبيق القانون بصورة متساوية على مختلف الدول والأطراف.
معضلة تطبيق القانون الدولي
معضلة تطبيق القانون الدولي
وهنا تبرز المعضلة الأساسية: كيف يمكن لمنظومة دولية أن تفرض القانون إذا كانت آلياتها السياسية عاجزة عن اتخاذ القرارات في أكثر الملفات حساسية؟
فمجلس الأمن، الذي يشكل الأداة الأساسية في منظومة حفظ السلم والأمن الدوليين، يبقى مقيداً بحق النقض الذي تملكه الدول الخمس الدائمة العضوية. وهذا الواقع يجعل المسافة واسعة بين المبادئ التي تعلنها الجمعية العامة وبين القدرة على تحويل تلك المبادئ إلى إجراءات ملزمة وفعالة.
ولا تتوقف الأزمة عند مجلس الأمن. فالمنظومة الأوسع للعدالة الدولية تواجه بدورها تحديات سياسية وقانونية، فيما تتزايد التساؤلات حول قدرة المؤسسات الدولية على ملاحقة الانتهاكات عندما تتعارض إجراءاتها مع مصالح القوى الكبرى.
الدعوات إلى إصلاح النظام الدولي
الدعوات إلى إصلاح النظام الدولي
ومن هنا، تبدو الدعوات إلى إصلاح النظام الدولي أكثر إلحاحاً.
فالأمين العام للأمم المتحدة يتحدث عن إصلاح المؤسسات الدولية، والرئيس البرازيلي يدعو إلى استعادة فاعلية التعددية، وقطر تؤكد أولوية الدبلوماسية والحوار، فيما تتزايد الأصوات التي ترى أن استمرار منطق القوة لا يمكن أن يشكل بديلاً دائماً عن الحلول السياسية.
تبدل موازين القوى في العلاقات الدولية
وهذه التطورات تعكس تحولاً أوسع في طبيعة العلاقات الدولية. فهناك قوى جديدة بدأت تفرض حضورها، وهناك دول كانت تعتمد بصورة كبيرة على تحالفاتها التقليدية بدأت تتعامل بحذر مع عالم تتغير فيه موازين القوى بسرعة.
ولا تقتصر هذه المخاوف على الدول التي تخوض حروباً مباشرة، بل تمتد أيضاً إلى الدول الصديقة والحليفة التي تجد نفسها أمام تداعيات قرارات وتحركات لا تكون طرفاً مباشراً فيها، لكنها قد تدفع ثمنها سياسياً أو اقتصادياً أو أمنياً.
مفهوم الأمن الدولي وتحديات الحروب المفتوحة
مفهوم الأمن الدولي وتحديات الحروب المفتوحة
وهنا يصبح مفهوم الأمن الدولي أكثر تعقيداً من مجرد غياب الحرب. فالأمن يحتاج إلى قواعد واضحة، وإلى احترام سيادة الدول، وإلى مؤسسات قادرة على منع استخدام القوة خارج إطار القانون، وإلى آليات تستطيع معالجة النزاعات قبل تحولها إلى حروب مفتوحة.
إن الحروب التي امتدت لسنوات، وما رافقها من سقوط ضحايا ودمار ونزوح وأزمات إنسانية، تضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية تاريخية. فكل يوم إضافي من دون مسار سياسي حقيقي يزيد المخاطر، ويرفع احتمال انتقال الصراع من دولة إلى أخرى ومن منطقة إلى أخرى.
الأمم المتحدة أمام مسؤولية تاريخية
الأمم المتحدة أمام مسؤولية تاريخية
ومن هنا، فإن الأصوات التي ارتفعت اليوم في الأمم المتحدة لا يمكن فصلها عن هذا التحول الدولي. إنها تعبّر عن قلق متزايد من أن يؤدي استمرار منطق القوة، في ظل غياب ضوابط دولية فاعلة، إلى جعل الأمن الدولي رهينة لتوازنات القوة بدلاً من أن يكون محكوماً بالقانون.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس فقط: من يملك القوة؟ بل من يملك القدرة على وقف الحرب عندما تبدأ؟
فالأمم المتحدة أُنشئت في الأساس لتجنب تكرار مآسي الحروب الكبرى، ولإيجاد إطار للحوار والتسوية ومنع النزاعات من التحول إلى كوارث دولية. والتحدي الذي تواجهه اليوم هو استعادة قدرتها على القيام بهذا الدور في عالم مختلف تماماً عن العالم الذي تأسست فيه.
التعددية والدبلوماسية كخيار دولي
التعددية والدبلوماسية كخيار دولي
لقد أظهرت جلسات اليوم أن التعددية والدبلوماسية لا تزالان مطروحتين كخيار دولي، وأن هناك دولاً وقوى تسعى إلى فتح مسارات للحوار وإيجاد مخارج للأزمات. لكن نجاح هذه المسارات يبقى مرتبطاً بمدى استعداد القوى الكبرى للعودة إلى منطق التفاوض، وبمدى قدرة المؤسسات الدولية على استعادة ثقة الدول والشعوب.
فالسلام لا يمكن أن يتحقق بالقوة وحدها، ولا يمكن أن يستمر نظام دولي يقوم على فرض الأمر الواقع. السلام يحتاج إلى قانون، والقانون يحتاج إلى مؤسسات قادرة على تطبيقه، والمؤسسات تحتاج إلى إرادة دولية تتجاوز الحسابات الآنية وموازين القوة.
رسالة نيويورك ومستقبل النظام الدولي
ومن نيويورك اليوم، تبدو الرسالة الأبرز واضحة: العالم أمام مرحلة جديدة تتصاعد فيها المخاوف، وتتبدل فيها التحالفات، وتتعدد فيها مراكز القوة، فيما تبقى الحاجة إلى التعددية والحوار والدبلوماسية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
والتحدي الحقيقي أمام الأمم المتحدة ليس في عقد الاجتماعات وإلقاء الخطب، وإنما في تحويل ما يقال داخل قاعاتها إلى أفعال قادرة على وقف الحروب وحماية المدنيين وإعادة الاعتبار للقانون الدولي.
فإذا عجز المجتمع الدولي عن ذلك، فإن المخاوف والهواجس لن تبقى محصورة في الدول المتنازعة، بل ستصل إلى الدول الصديقة والحليفة، وربما إلى النظام الدولي برمته.
أما إذا نجحت الدبلوماسية في فتح أبواب الحوار، فقد تكون هذه اللحظة الصعبة بداية لإعادة بناء قواعد جديدة للعلاقات الدولية، تقوم على التعددية واحترام السيادة وسيادة القانون، بدلاً من منطق القوة وفرض الأمر الواقع.