في خطابه الأخير أمام الجزء رفيع المستوى من الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، حذّر الأمين العام أنطونيو غوتيريش من عالم تتبدل فيه موازين القوة، وتتسع فيه الحروب والانقسامات، بينما ينتقل جزء متزايد من القرار البشري إلى الآلات والذكاء الاصطناعي. وبينما استعرض حصيلة عقد من الأزمات الدولية، دعا إلى الدفاع عن القانون الدولي وإصلاح مجلس الأمن ومنع انهيار حل الدولتين، مؤكداً أن مستقبل البشرية لا ينبغي أن يخضع لمنطق القوة أو الإفلات من العقاب.

غوتيريش يحذّر من انتقال القوة إلى الآلة ويدعو إلى إنقاذ النظام الدولي

تحت شعار «استعادة الثقة وإدارة التحول: أمم متحدة في خدمة الجميع»، انطلقت أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، بحضور عدد من قادة الدول والحكومات والوزراء والمسؤولين، وفق المعطيات الواردة في المادة الأصلية.

وافتتح رئيس الدورة الجديد، خليل الرحمن من بنغلاديش، أعمال الدورة، قبل أن يمنح الكلمة للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الذي ألقى خطابه الأخير أمام الجزء رفيع المستوى من الجمعية العامة بصفته أميناً عاماً، بحسب النص المقدم.

وركّز غوتيريش في كلمته على المخاطر التي تواجه العالم، محذراً من أن استمرار الأزمات الراهنة قد يترك آثاراً عميقة على الأجيال المقبلة، إذا لم تُتخذ إجراءات لاحتوائها قبل تفاقمها.

غوتيريش يستعرض عقداً من الحروب والانقسامات الدولية

غوتيريش يستعرض عقداً من الحروب والانقسامات الدولية
غوتيريش يستعرض عقداً من الحروب والانقسامات الدولية

استهل الأمين العام خطابه باستعراض التحولات التي شهدها العالم منذ توليه منصبه في بداية عام 2017، مشيراً إلى تصاعد الحروب واستهداف المدنيين وتراجع احترام حقوق الإنسان و القانون الدولي، إلى جانب اتساع أوجه عدم المساواة وتآكل الثقة وتفاقم أزمة المناخ.

وقال غوتيريش إن الجوع استُخدم سلاحاً، وقُتل عاملون في المجال الإنساني، فيما انتقلت أزمة المناخ من تحذير بعيد إلى واقع يومي، بالتزامن مع تطور الذكاء الاصطناعي بسرعة فاجأت حتى بعض الذين ساهموا في تطويره.

«خلال العقد الماضي، اندلعت الحروب بعواقب مدمرة واستمرت بقسوة شنيعة. تم استهداف المدنيين. تُداس حقوق الإنسان. الجوع جُعل سلاحاً. قُتل العاملون في المجال الإنساني. تم تجاهل القانون الدولي».

أزمة عالمية في توزيع السلطة

اعتبر غوتيريش أن الأزمات المتواصلة تعكس، في جانب أساسي منها، أزمة سلطة، موضحاً أن موازين النفوذ العالمي يعاد تشكيلها عبر ثلاثة مسارات رئيسية.

ويتمثل المسار الأول، وفق عرضه، في انتقال مراكز النفوذ الاقتصادي والسياسي والتكنولوجي بين الدول، مع ظهور قوى ومراكز تأثير جديدة.

أما المسار الثاني، فيتعلق بانتقال متزايد للسلطة من الحكومات إلى عدد محدود من الشركات الخاصة والأفراد.

ويتمثل المسار الثالث في تسليم البشر مزيداً من القوة للآلات، في ظل تطور أنظمة الذكاء الاصطناعي والأسلحة المستقلة القاتلة التي تجاوزت، بحسب وصفه، حدود الخيال العلمي وأصبحت جزءاً من الواقع العسكري.

غوتيريش يدعو إلى نظام دولي متعدد الأقطاب

دعا الأمين العام إلى بناء عالم تتعايش فيه مراكز تأثير متعددة ضمن إطار مشترك من القانون الدولي والقواعد المنظمة للعلاقات بين الدول.

وحذّر من مخاطر الهيمنة والانقسام العالمي إلى كتلتين متنافستين، لكل منهما أنظمة اقتصادية وتكنولوجية وأمنية منفصلة، معتبراً أن التعاون الدولي القائم على قواعد مشتركة يمكن أن يساهم في تجنب هذا المسار.

وأكد أن القوة العسكرية وحدها لا تستطيع ضمان السلام، كما أن القوة الاقتصادية لا تكفي لفرض الاستقرار، والقوة التكنولوجية لا تضمن الأمن بمفردها.

ورأى أن بناء عالم متعدد الأقطاب ومترابط يمكن أن يهيئ ظروفاً لحل المشكلات العالمية بصورة أكثر توازناً وتمثيلاً.

غوتيريش يطالب بالدفاع عن ميثاق الأمم المتحدة دون استثناءات

غوتيريش يطالب بالدفاع عن ميثاق الأمم المتحدة دون استثناءات
غوتيريش يطالب بالدفاع عن ميثاق الأمم المتحدة دون استثناءات

شدد غوتيريش على ضرورة الدفاع عن ميثاق الأمم المتحدة وتطبيق مبادئ القانون الدولي بعيداً عن المعايير المزدوجة، داعياً إلى حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية وحماية العاملين في المجال الإنساني، إلى جانب تعزيز نزع السلاح ومنع الانتشار النووي ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.

وقال إن المجتمع الدولي مطالب أيضاً بإصلاح مجلس الأمن ليعكس التحولات التي شهدها العالم منذ تأسيس الأمم المتحدة، مؤكداً أن تركيبة المجلس الحالية لا تعكس بصورة كافية التغيرات في موازين النفوذ الدولي.

تمثيل أفريقيا في مجلس الأمن

وتوقف الأمين العام عند مسألة تمثيل أفريقيا في مجلس الأمن، مشيراً إلى أن القارة لا تزال تفتقر إلى مقعد دائم في المجلس، رغم التحولات التي طرأت على النظام الدولي منذ تأسيس الأمم المتحدة عقب الحرب العالمية الثانية.

واعتبر أن غياب تمثيل دائم لأفريقيا في مجلس الأمن خلال القرن الحادي والعشرين يمثل وضعاً غير عادل، داعياً إلى تغيير هذه المعادلة.

غزة والضفة الغربية.. تحذير أممي من استمرار الكارثة

انتقل غوتيريش في خطابه إلى الأزمات التي تشهدها مناطق مختلفة من العالم، من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا والسودان وميانمار، متوقفاً بصورة خاصة عند الوضع في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وقال إن النزاعات في الشرق الأوسط لا تزال تتفاقم، وإن ما يوصف بوقف إطلاق النار لم ينهِ معاناة المدنيين، داعياً القادة المشاركين في اجتماعات الجمعية العامة إلى استثمار الأسبوع رفيع المستوى من أجل خفض التصعيد وفتح مسارات للحوار.

وأكد ضرورة وقف القتال، والسماح بتدفق المساعدات الإنسانية، واستعادة حقوق وحريات الملاحة وفقاً للقانون الدولي.

غزة بين القتل والدمار ومخاوف التطهير العرقي

قال الأمين العام إن الوضع في الأراضي الفلسطينية المحتلة لا يجوز أن يفقد الاهتمام الدولي، مشيراً إلى مرور ما يقارب ثلاث سنوات على هجمات 7 أكتوبر التي نفذتها حركة حماس، وما أعقبها من هجوم واسع على الفلسطينيين في قطاع غزة.

ووصف غوتيريش حجم القتل والدمار في غزة بأنه من أشد ما شهده خلال سنوات عمله أميناً عاماً للأمم المتحدة، مشدداً على ضرورة امتثال جميع الأطراف للقانون الدولي وأوامر محكمة العدل الدولية.

كما أشار إلى العنف والنزوح وتوسع المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة، محذراً من أنها عوامل تعقّد فرص تحقيق السلام وتثير مخاوف من التطهير العرقي.

وأكد أن المجتمع الدولي لا يستطيع السماح باختفاء حل الدولتين.

الالتزامات القانونية وحماية العاملين الإنسانيين

استند غوتيريش في حديثه إلى التدابير المؤقتة التي أصدرتها محكمة العدل الدولية في القضية المتعلقة بتطبيق اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها في قطاع غزة.

كما أشار إلى رأي استشاري أصدرته المحكمة بشأن التزامات مرتبطة بعمل الأمم المتحدة في غزة وحماية موظفيها والعاملين في المجال الإنساني، مؤكداً أن على الأطراف احترام القانون الدولي وأوامر المحكمة.

أوكرانيا والسودان.. حروب تتسع وكلفة إنسانية متصاعدة

أوكرانيا والسودان.. حروب تتسع وكلفة إنسانية متصاعدة
أوكرانيا والسودان.. حروب تتسع وكلفة إنسانية متصاعدة

تطرق الأمين العام إلى الحرب في أوكرانيا، معتبراً أن الغزو الروسي الشامل يمثل انتهاكاً لميثاق الأمم المتحدة، مشيراً إلى استمرار قتل المدنيين والهجمات التي تطال المنازل والبنية التحتية وأنظمة الطاقة والمياه والنقل.

وقال إن تداعيات الحرب لا تقتصر على طرفي الصراع، بل تمتد إلى سلاسل إمداد الغذاء والطاقة على المستوى العالمي.

السودان.. حرب على المدنيين وتفاقم الأزمة الإنسانية

وفي ما يتعلق بالسودان، وصف غوتيريش الحرب بأنها صراع على السلطة تحوّل إلى حرب تستهدف المدنيين، محذراً من اتساع النزوح وانتشار الجوع والهجمات التي تطال المستشفيات والمنازل.

كما أشار إلى تصاعد العنف الجنسي والهجمات ذات الطابع العرقي، في ظل استمرار تمزق البلاد وتراجع الاهتمام الدولي بالأزمة الإنسانية.

غوتيريش: الخطر ليس في التكنولوجيا بل في غياب المسؤولية

خصص الأمين العام جزءاً من خطابه لتحديات الذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى إمكاناته الكبيرة في دفع الطب إلى الأمام وتسريع الاكتشافات العلمية وتوسيع الفرص وتحسين حياة الناس.

لكنه حذر من أن المشكلة لا تكمن في التكنولوجيا بحد ذاتها، بل في استخدامها دون مسؤولية أو رقابة أو شفافية في اتخاذ القرارات.

وقال إن القدرة التقنية التي لا تخضع للمساءلة قد تخلق مخاطر لا يمكن التقليل من شأنها، مضيفاً أن بعض المطورين الذين يعملون على بناء هذه الأنظمة يطلقون بدورهم تحذيرات بشأن مستقبلها.

من إدارة الذكاء الاصطناعي إلى خطر أن يدير الإنسان

في الجزء الأبرز من حديثه عن التكنولوجيا، دعا غوتيريش إلى إدارة تطور الذكاء الاصطناعي قبل أن يصبح الإنسان عاجزاً عن التحكم في آثاره.

وقال:

«مستقبلنا المشترك سيتحدد بمدى قدرة الإنسان على إدارة القوة بحكمة، بالتمسك بالقانون قبل أن يصبح الإفلات من العقاب أمراً طبيعياً، وبإنهاء الحروب قبل أن تبتلع الأجيال، وبمعالجة التفاوت قبل أن تنهار المجتمعات، وبالعمل بسرعة على مكافحة تغير المناخ قبل تجاوز النقاط الحرجة، وبإدارة الذكاء الاصطناعي قبل أن يديرنا هو».

ويعكس هذا التحذير رؤية الأمين العام لمخاطر ترك التطور التكنولوجي خارج أطر المساءلة والقواعد الدولية، خصوصاً في المجالات العسكرية والأمنية واتخاذ القرارات المؤثرة في حياة البشر.

خطاب الوداع.. السلام والكرامة الإنسانية بعد انتهاء الولاية

في ختام خطابه، استعاد غوتيريش فكرة تأسيس الأمم المتحدة باعتبارها تحدياً للخوف ولمنطق القوة الذي يمنح بعض الدول أو الجهات حق فرض إرادتها على الآخرين.

وقال إن المنظمة الدولية تأسست في مواجهة كارثة عالمية قبل أكثر من 80 عاماً، وإن الدفاع عن مبادئها لا يرتبط بشخص الأمين العام أو مدة ولايته.

وأضاف أنه سيواصل خلال الأيام المتبقية من ولايته الدفاع عن قناعته بأن السلام ممكن، وأن الكرامة الإنسانية عالمية، وأن قوة القانون ينبغي أن تسود على قانون القوة.

وأكد أنه سيستمر في الدفاع عن قيم ميثاق الأمم المتحدة، قائلاً في ختام خطابه:

حذّر أنطونيو غوتيريش في خطابه الأخير أمام الجزء رفيع المستوى من الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة من انتقال متزايد للقوة إلى الآلات والشركات والأفراد، داعياً إلى إصلاح النظام الدولي وتعزيز القانون الدولي وحماية المدنيين. كما تناول أزمات غزة وأوكرانيا والسودان، وجدد التحذير من مخاطر الذكاء الاصطناعي، مؤكداً أن مستقبل البشرية يتطلب إدارة القوة بمسؤولية والتمسك بمبادئ الأمم المتحدة.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com