بقلم: زياد شبيب- النهار 

جريمة الفشل في لبنان والإهمال الجسيم

في القانون قاعدة تقول بأن “الإهمال الجسيم يعادل سوء النية“. وهي تعني بأن الخطأ إذا بلغ حدّاً من الفداحة والاستهتار يُعامل الفعل أو الامتناع عنه بأنه عمل أو موقف عمدي مقصود، ولا يمكن التذرّع بحسن النيّة.

هذه المقاربة القانونية تنطبق على إدارة الدولة للخدمات الأساسية وفق نهج بنيوي من التقصير المتعمد يرقى إلى مرتبة الجريمة المنظمة بحق الشعب والدولة. وهي ترتدي أهمية خاصة اليوم لأن الحكومة الحالية قررت التحرر من سطوة السلاح الخارج عن القانون، ووضعت نفسها تحت مجهر المحاسبة التاريخية، وحظيت مؤخرًا بالثقة البرلمانية للمرة الثالثة محقّقة رقمًا قياسيًا.

الهيئات الناظمة وقطاع الكهرباء في لبنان

الهيئات الناظمة وقطاع الكهرباء في لبنان
الهيئات الناظمة وقطاع الكهرباء في لبنان

بعد عقدين من الانتظار عيّنت الحكومة “الهيئات الناظمة” للقطاعات الأكثر إيلامًا ولا سيما الكهرباء والاتصالات، ولكن بعد أكثر من عام على التعيين تبيّن أن تلك الهيئات خدعة وأن التعيينات التي شملتها تمّت بذهنية الفشل نفسها التي تدير الشأن العام برمته.
قطاع الكهرباء يجب تدريسه للأجيال اللاحقة، ليس في العلوم أو الفيزياء، بل في مادة التاريخ، الموحّد طبعًا، كواحدة من نكبات كثيرة حلّت بلبنان. كما يمكن تدريسه في علم الفلك كثقب الهدر الأسود وفي معهد الفنون الجميلة كمسرحية للعتمة.

الهدر في الكهرباء وكلفة الفشل الإداري

الهدر في الكهرباء وكلفة الفشل الإداري
الهدر في الكهرباء وكلفة الفشل الإداري

ملف الكهرباء الذي استنزف وحده أكثر من 40 مليار دولار ولا يزال، ليس مسألة تقنية بل أخلاقية، وكل يوم يمرّ دون المباشرة بالحلول النهائية الجذرية يعبّر عن وقاحة السلطة وليس على فشلها وحسب، وهنا لا تقع المسؤولية على وزير أو آخر بل على السلطة برمتها وبكل مؤسساتها المعنية بالقرار والمحاسبة. وفي الانتظار تقف الهيئة الناظمة للكهرباء عاجزة تماماً أمام كارتيل المولدات الخاصة ومستوردي المحروقات الذين يدرون أرباحاً مليارية موازية.

أزمة الاتصالات والإنترنت غير الشرعي في لبنان

أزمة الاتصالات والإنترنت غير الشرعي في لبنان
أزمة الاتصالات والإنترنت غير الشرعي في لبنان

أما الاتصالات وفي عصر يشكل فيه الإنترنت عصب الاقتصاد المعاصر والأمن الوطني، يبلغ الخلل في إدارة القطاع مراتب خيالية ويبلغ حجم الخدمات التي تقدّم عبر شبكات غير شرعية نحو 80% من الانترنت في لبنان. وهذا الرقم القياسي لم يكن ممكنًا تحقيقه لولا تضافر جهود الإدارة والهيئة الناظمة في قمع الشركات الشرعية المرخصة ومنعها من تمديد خطوطها ومنعها من التوسع والتطوير، مقابل ترك مقدّمي الخدمات غير الشرعية يمدّون شبكات الألياف الضوئية بالتوازي مع كابلات مولدات الكهرباء غير الشرعية. والنتيجة مئات ملايين الدولارات سنوياً كان يُفترض أن تدخل خزينة الدولة، فضلاً عن المخاطر الأمنية الكارثية المتمثلة في وضع البيانات والاتصالات اللبنانية تحت رحمة كابلات مجهولة المصدر والإدارة، بينما الهيئة الناظمة للقطاع تلعب دور المتفرج.

أزمة المياه والآبار العشوائية في لبنان

أزمة المياه والآبار العشوائية في لبنان
أزمة المياه والآبار العشوائية في لبنان

أما المياه فإن لبنان أغنى دول المنطقة بها، وقد دلّل نفسه بإنشاء مؤسسات عامة للمياه في المحافظات تتمتع بصلاحيات كبيرة، ولكن مع مرور ما يقارب الربع قرن على إنشائها لا تزال عاجزة عن إيصال المياه بانتظام إلى المنازل. والجريمة الحقيقية تتخطى الفشل الإداري إلى التواطؤ الجرمي. فقد جرى حفر عشرات آلاف الآبار الارتوازية العشوائية من دون تراخيص بتغطية الأجهزة المكلفة قانوناً بقمع المخالفات وحماية الثروة المائية.

الصهاريج واستنزاف المياه الجوفية

الصهاريج واستنزاف المياه الجوفية
الصهاريج واستنزاف المياه الجوفية

في هذا الوقت تزدهر الصهاريج وتتكاثر، ويبتز أصحابها اللبنانيين يومياً لبيعهم مياههم الجوفية والسطحيّة المسروقة. والصهريج في الأدب اللبناني الساخر فضيحة بحد ذاته لا تحتاج إلى إقامة الدليل، بالقدر نفسه الذي اكتفى فيه زكريّا في مسرحية نزل السرور بتشبيه رأس ولده شكيب بالصهريج الذي يراه دائمًا متوقفًا أمام منزله.

المحاسبة عن الفشل المزمن في إدارة الدولة

إن فداحة الفشل المزمن والإصرار على الإقامة فيه، تنطبق عليها أوصاف جرمية متوفرة في القانون، والمساءلة بالمفرّق غير مجدية لأن التذرع بالعراقيل سهل، أما المحاسبة يومًا ما فلا بدّ أن تكون بالجملة.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com