على بالي
صحيفة الاخبار: بقلم أسعد أبو خليل

 

تفتح مقالة أسعد أبو خليل في صحيفة «الأخبار» نقاشاً حاداً حول دلالات الحضور الأميركي في لبنان، من خلال زيارة السفير الأميركي ميشال عيسى إلى المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، وما رافقها من مواقف ورسائل سياسية. ويرى أبو خليل أن الزيارة لم تكن مجرد محطة بروتوكولية ضمن جولة السفير على المرجعيات الطائفية، بل حملت في توقيتها ومكانها ومضمونها رسائل تتصل مباشرة بالوضع في الجنوب وبالعلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل والموقف من المقاومة.

ويضع الكاتب زيارة عيسى في سياق أوسع، منتقداً ما يعتبره تقارباً متزايداً بين الخطاب الأميركي والموقف الإسرائيلي، ومعتبراً أن مخاطبة «البيئة الشيعية» من داخل المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى تهدف إلى التأثير في النقاش الداخلي اللبناني حول السلاح والجنوب ومستقبل العلاقة مع الدولة. وفي المقابل، تؤكد المعطيات المنشورة أن لقاء عيسى بالشيخ علي الخطيب كان صريحاً، وأن الخطيب شدد على ضرورة الانسحاب الإسرائيلي، وربط معالجة مسألة السلاح بتوفير الضمانات والحماية.

ينطلق أبو خليل من الصورة السياسية التي رافقت ظهور السفير الأميركي في إسرائيل ولقاءه بنيامين نتنياهو، ليبني عليها قراءته الأساسية: أن السياسة الأميركية في لبنان باتت، في نظره، أكثر التصاقاً بالموقف الإسرائيلي من أي وقت مضى. ويعتبر أن زيارة السفير للمجلس الإسلامي الشيعي بعد عودته من إسرائيل تحمل رسالة سياسية تتجاوز اللقاء الدبلوماسي التقليدي.

ويولي الكاتب أهمية خاصة إلى كون ميشال عيسى لبنانياً بالأصل، ويرى أن هذه الخلفية لم تمنعه، بحسب قراءته، من تبني مواقف يعتبرها قريبة من إسرائيل. وهنا ينتقل المقال من الشخص إلى ظاهرة أوسع، إذ يناقش أبو خليل ما يراه محاولة لإثبات الولاء للسياسة الأميركية والإسرائيلية، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بملفات لبنان والجنوب والمقاومة.

أما النقطة الأكثر حساسية في المقال، فتتمثل في قراءة خطاب السفير من المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى. فقد تحدث عيسى بعد اللقاء عن إيصال الرسالة الأميركية إلى «البيئة الشيعية»، مؤكداً أن واشنطن تريد مصلحتها وعودة أبنائها إلى قراهم ومنازلهم.

ويرى أبو خليل أن اختيار المجلس الإسلامي الشيعي تحديداً لإطلاق هذه الرسالة يحمل دلالة سياسية، لأنه يعني مخاطبة بيئة اجتماعية وسياسية ترتبط مباشرة بملف الجنوب والمقاومة. ومن وجهة نظره، فإن واشنطن لا تخاطب هنا المؤسسات الرسمية اللبنانية فقط، بل تحاول أيضاً فتح نقاش مباشر مع البيئة التي تشكل القاعدة الاجتماعية الأساسية للمقاومة.

وفي المقابل، تكشف تفاصيل اللقاء أن الجانب اللبناني لم يتبنَّ بالضرورة الطرح الأميركي كما هو. فالشيخ علي الخطيب شدد على ضرورة أن يكون الدور الأميركي عادلاً ومتوازناً، وقال إن السلاح لم يكن خياراً ترفياً بل ارتبط بالاحتلال الإسرائيلي، مع الاستعداد لمعالجة الموضوع إذا توفرت ضمانات وحماية حقيقية.

وهنا تكمن إحدى أهم نقاط المقال: الصراع لا يدور فقط حول السلاح، بل حول ترتيب الأولويات. هل يبدأ المسار بانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية المحتلة، ثم يُبحث موضوع السلاح والضمانات؟ أم يبدأ بنزع سلاح المقاومة كشرط لإطلاق مسار الانسحاب والتسوية؟

أبو خليل يقرأ زيارة السفير من الزاوية الثانية، ويرى فيها محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين الولايات المتحدة والبيئة الشيعية على قاعدة فصل المجتمع عن المقاومة والضغط باتجاه قبول رؤية أميركية للمرحلة المقبلة. وهذا ما يجعل المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، في نظر الكاتب، أكثر من مجرد محطة في جولة دبلوماسية.

كما أن أهمية الزيارة تتصل بتوقيتها. فالولايات المتحدة تقول إنها تريد عودة أبناء الجنوب إلى قراهم، بينما لا يزال ملف الانسحاب الإسرائيلي والسلاح في قلب الأزمة. وبالتالي، فإن الخطاب الأميركي الذي يتحدث عن «مصلحة البيئة الشيعية» يطرح سؤالاً حول طبيعة هذه المصلحة ومن يحددها: هل هي العودة إلى القرى فقط، أم العودة ضمن ترتيبات سياسية وأمنية تضمن عدم استمرار الاحتلال؟

وفي الخلاصة، يقدم أبو خليل قراءة شديدة النقد للدور الأميركي، ويعتبر أن زيارة عيسى إلى المجلس الإسلامي الشيعي ليست حدثاً منفصلاً عن المسار الإقليمي، بل حلقة في محاولة إعادة ترتيب المشهد اللبناني من بوابة الجنوب والبيئة الشيعية. وفي المقابل، تُظهر مواقف المجلس أن هناك فارقاً واضحاً بين الرؤية الأميركية التي تركز على معالجة ملف المقاومة، والرؤية التي تربط معالجة هذا الملف أولاً بإنهاء الاحتلال وتوفير الضمانات.

وبذلك، يتحول السؤال من مجرد «ماذا قال السفير الأميركي؟» إلى سؤال سياسي أوسع: هل تسعى واشنطن إلى فتح حوار مع البيئة الشيعية، أم إلى إعادة تشكيل موقفها من المقاومة والسلاح؟ وهنا تحديداً تكمن أهمية المقالة وجدليتها.

ميشال عيسى سفير أميركا في لبنان…
ميشال عيسى سفير أميركا في لبنان…

ظهور السفير الأميركي أمس على عتبة المجلس الإسلامي الشيعي لم يكن صدفةً. هو كان من ضمن جولة يقوم بها على رؤساء الطوائف. اختارَ أن يطلَّ من على هذا المنبر بعد عودته من زيارة لإسرائيل حيث التقى بنتانياهو. الصورة التي نُشرت له كانت مفعمة بالابتسامات والأُلفة والودّ بين عيسى ورئيس الحكومة الإسرائيلي. علّقَ الزميل بيار أبي صعب أمس أنّ عيسى بدا كأنّه السفير الإسرائيلي في لبنان. الملاحظة تتعلّق بالخطاب الذي يصدر عنه.

لم يسبق أن اقتربَ موقف سفير أميركي في بيروت من موقف إسرائيل كما مع هذا السفير، اللّبناني الأصل (مفخرة «النهار» والإعلام الخليجي في لبنان). ولأنّه لبناني الأصل، عليه أن يكونَ أكثر صهيونيّةً مِن غير اللّبنانيّين من السفراء. لا أذكرُ في سنواتي أنّ سفيراً أميركيّاً في بيروت احتاجَ أن يطيرَ إلى إسرائيل كي تُلتقط له صورة مع رئيس وزراء إسرائيل. هذه سابقة. شؤون حكومة إسرائيل والعلاقات بينها وبين أميركا تقع تحت ملفّ السفير الأميركي في إسرائيل.

لكنْ، مَثَلُ السفير عيسى مِثلُ مَثَلِ الشيعة في إعلام طغاة الخليج: على هؤلاء أن يتطرّفوا في الصهيونيّة وفي نبْذ أبناء جلدتهم كي يصبحوا موقع ثقة. عيسى عندما وصلَ إلى بيروت لم يكن يجاهر بالصهيونيّة. عندها، طلب منه نتانياهو المثول في حضرته كي يُثبتَ خضوعه له وكي يرسل إلى لبنان إشارة معناها: لا تفترضوا أنّه بمجرّد أن يكون لبنانيّ الأصل فإنّ ذلك يعني أنّه أقلّ صهيونيّة من البِيض الذين سبقوه. إنّه سيخضع للسياسة الصهيونيّة للإدارة ولحكومة إسرائيل المُسيطرة على مقدّرات سياسات اميركا في المنطقة. انخدع البعض عندما رآه في حفلات اجتماعيّة مُشاركاً لبنانيّين أفراحهم وصخبهم.

 

السفير ليس خبيراً ولا مؤهّلاً. هو واحد من التعيينات السياسيّة للسفراء التي باتت لازمة لترامب. لديه أعلى نسبة على الإطلاق لتعيينات سياسيّة لسفراء بين كلّ الرؤساء المعاصرين. عيسى لا يلمّ بالعربيّة أو الانكليزيّة. لكنّ ظهوره على باب المجلس الإسلامي الشيعي كان يُراد منه إعطاء رسالة عن أصحابه وعن موقفهم. كان يريد توريط المجلس بمواقفهم، والمعنيّون سكتوا.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com