حرب السيطرة وحدود القوة: من طهران إلى جنوب لبنان

صحيفة الأخبار: بقلم كريم حداد

تتناول مقالة كريم حداد في صحيفة «الأخبار» حدود القوة العسكرية في إعادة تشكيل الشرق الأوسط، انطلاقاً من الحرب على إيران وصولاً إلى المواجهة المستمرة في جنوب لبنان. وتنطلق المقالة من مفارقة أساسية مفادها أن التفوق الأميركي والإسرائيلي الكبير في الجو والتكنولوجيا والقدرة على التدمير لم يتحول، رغم مرور نحو ستة أشهر على اندلاع الحرب، إلى نظام سياسي جديد يفرض معادلاته على المنطقة. فإيران، رغم الخسائر الكبيرة التي لحقت بها، بقيت حاضرة وقادرة على التأثير، فيما تحوّل مضيق هرمز إلى ورقة ضغط استراتيجية، واستمرت معركة النفوذ والانسحاب ونزع السلاح في جنوب لبنان.

ويضع حداد هذه الوقائع في إطار فكري أوسع، مستنداً إلى قراءات تعتبر أن المشكلة لا تكمن فقط في ميزان القوة العسكري، بل في قدرة القوة على تحويل التفوق الميداني إلى تسوية سياسية مستقرة. ومن هنا ينتقل المقال إلى لبنان، حيث يبرز التناقض بين استمرار الاحتلال الإسرائيلي وربط الانسحاب بنزع سلاح المقاومة، ليخلص إلى أن القوة قد تستطيع فرض هدنة أو إلحاق خسائر بالخصم، لكنها لا تستطيع بالضرورة إزالة الأسباب السياسية التي تنتج المقاومة أو فرض تفسير واحد للصراع على المجتمعات.

يركز كريم حداد على فكرة مركزية: التفوق العسكري لا يعني بالضرورة القدرة على إخضاع الخصم. فالحرب على إيران، وفق قراءة المقال، أظهرت الفارق بين «القدرة على التدمير» و«القدرة على فرض الإرادة السياسية». الولايات المتحدة وإسرائيل استطاعتا إلحاق أضرار كبيرة بإيران، لكنهما لم تتمكنا من إنتاج واقع إقليمي جديد يتوافق بالكامل مع أهدافهما.

ويستند الكاتب إلى أطروحة آل ليفيريت في «الذهاب إلى طهران»، التي تنتقد التعامل مع إيران باعتبارها قوة غير عقلانية، وتدعو إلى قراءة سلوكها ضمن حسابات الأمن والبقاء والردع والمصالح.

ومن هنا يأتي مثال مضيق هرمز بوصفه دليلاً على أن الدولة الأضعف عسكرياً يمكنها امتلاك أدوات ضغط استراتيجية لا تتطلب التفوق العسكري المباشر. فإيران، بحسب المقال، لا تحتاج إلى التفوق على الأسطول الأميركي كي تؤثر في الاقتصاد العالمي، بل يكفي أن تجعل الملاحة أكثر كلفة وخطورة، بما ينعكس على التأمين والشحن والطاقة.

أما في لبنان، فيرى حداد أن المعادلة أكثر تعقيداً، لأن المواجهة لا تتعلق فقط بالعمليات العسكرية، بل أيضاً بشكل التسوية التي ستلي الحرب. ويشير إلى أن استمرار الوجود الإسرائيلي في أجزاء من الجنوب وربط الانسحاب بنزع سلاح المقاومة يطرح سؤالاً حول طبيعة الاتفاق: هل الانسحاب التزام مترتب على الاحتلال، أم يصبح مكافأة مشروطة بتغيير ميزان القوة الداخلي؟

وهنا يستعين الكاتب بأفكار أليستر كروك حول المقاومة، باعتبارها ظاهرة لا يمكن اختزالها بالسلاح وحده. فالمقاومة، في هذه القراءة، تنشأ من اختلال في ميزان القوة ومن رفض الخضوع لشروط الطرف الأقوى. ولذلك فإن إضعاف القدرات العسكرية لا يعني بالضرورة انتهاء الظاهرة السياسية والاجتماعية التي أنتجتها.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في جنوب لبنان، حيث لا تزال مسألة الانسحاب الإسرائيلي ونزع السلاح وآلية تطبيق الاتفاق الإطار موضع تجاذب. وقد أظهرت التطورات الأخيرة حول علي الطاهر أن الهدوء المعلن لم ينهِ الصراع على الأرض، إذ استمرت المواجهات والضربات حول الموقع الاستراتيجي.

وفي جوهر المقال، يحاول حداد الربط بين إيران ولبنان ضمن معادلة واحدة: الولايات المتحدة وإسرائيل تستطيعان استخدام القوة العسكرية بدرجة هائلة، لكن تحويل هذه القوة إلى نظام سياسي مستقر يحتاج إلى أكثر من التفوق العسكري. ويعني ذلك أن إضعاف الخصم لا يساوي بالضرورة إخضاعه، وأن السيطرة الميدانية لا تضمن تلقائياً القبول السياسي.

وتصل المقالة في نهايتها إلى سؤال أساسي: من يستطيع تحويل ما تبقى لديه من قوة إلى ترتيب سياسي قابل للحياة؟ فاستمرار القصف والعقوبات والاحتلال من جهة، ورفع كلفة هذه السياسات من الجهة المقابلة، قد يقود إلى معادلة طويلة من «حرب لا تُحسم وسلام لا يولد».

والخلاصة الأبرز في قراءة حداد أن المشكلة ليست في وجود القوة وحدها، بل في حدود قدرتها على إنتاج واقع سياسي دائم. فالقوة تستطيع تغيير ميزان الميدان، لكنها لا تستطيع بسهولة تغيير نظرة مجتمع كامل إلى الحرب والاحتلال والحق والمقاومة. ومن هنا يصبح السؤال الأوسع، وفق منطق المقال: هل يمكن بناء استقرار إقليمي عبر الإكراه، أم أن التسوية السياسية تبقى الطريق الوحيد لتحويل التفوق العسكري إلى نظام قابل للاستمرار؟

اندلاع الحرب التي بدأت بالهجوم الأميركي ـ الإسرائيلي على إيران في 28 شباط 2026
اندلاع الحرب التي بدأت بالهجوم الأميركي ـ الإسرائيلي على إيران في 28 شباط 2026

بعد نحو ستة أشهر على اندلاع الحرب التي بدأت بالهجوم الأميركي ـ الإسرائيلي على إيران في 28 شباط 2026، تبدو المنطقة أمام مفارقة يصعب تجاهلها: امتلكت الولايات المتحدة وإسرائيل تفوقاً هائلاً في الجو والنار والتكنولوجيا والقدرة على التدمير، لكنهما لم تتمكنا حتى الآن من تحويل هذا التفوق إلى نظام سياسي جديد في المنطقة. إيران تلقت ضربات قاسية، خسر جيشها وبنيتها التحتية الكثير، وتعرض اقتصادها لضغط غير مسبوق، لكن الجمهورية الإسلامية بقيت قائمة، ولم يتحقق هدف إخضاعها أو إنهاء قدرتها على التأثير في الإقليم. وفي الوقت نفسه تحوّل مضيق هرمز، الذي كان يفترض أن يظهر حدود القوة الإيرانية، إلى إحدى أبرز أدوات الضغط على الاقتصاد العالمي، فيما عاد لبنان، بعد حرب مدمرة واحتلال مساحات من جنوبه، إلى المعادلة القديمة نفسها: إسرائيل تريد الأمن قبل الانسحاب، والمقاومة تقول إن الانسحاب يجب أن يسبق البحث في سلاحها.

 

هنا يبدو كتابا فلينت وهيلاري مان ليفيريت Going to Tehran وأليستر كروك Resistance: The Essence of the Islamist Revolution، على الرغم من صدورهما قبل سنوات طويلة، كأنهما يقدمان مفتاحين مختلفين لفهم اللحظة الراهنة. الأول يقرأ إيران من داخل منطق الدول وتوازن القوى، والثاني يحاول فهم المقاومة من داخل منطقها التاريخي والأخلاقي والسياسي. وعند جمع المفتاحين، يظهر أن الحرب الحالية ليست مجرد مواجهة حول البرنامج النووي الإيراني، ولا مجرد جولة جديدة بين إسرائيل وحزب الله. إنها في مستوى أعمق صراع حول السؤال الذي ظل يطارد الشرق الأوسط منذ نهاية الحرب الباردة: هل تستطيع الولايات المتحدة أن تصنع نظام المنطقة بالإكراه، أم أن القوى التي ترفض هذا النظام قادرة على رفع كلفة فرضه إلى حد يجبر واشنطن على القبول بالتسوية؟

التحذير من سعي أميركا إلى الهيمنة لا يزيد قوتها بالضرورة، بل قد يقود إلى ما يسميه بول كينيدي «التمدد الإمبراطوري الزائد». حيث انتقلت واشنطن بعد الحرب الباردة من إدارة توازنات الشرق الأوسط إلى محاولة إعادة تشكيله وفق نظام تقوده هي بالشراكة مع إسرائيل، فيما صار عزل إيران وإضعافها وتغيير نظامها جزءاً من هذا المشروع. وما حدث منذ 28 شباط يبدو اختباراً ميدانياً لهذه الأطروحة. الحرب ألحقت أضراراً ضخمة بإيران، لكن المشهد بعد 6 شهور لا يشبه صورة الحسم التي ترافق بدايات حروب أميركا.

لا توجد مقارنة جدية بين القدرات العسكرية الأميركية والقدرات الإيرانية التقليدية. لذلك، فالمشكلة هي في الافتراض السياسي الذي يُبنى عليه استخدام القوة. وهذا تحديداً ما حاول آل ليفيريت تفكيكه: اعتبار إيران دولة تحركها العقيدة بطريقة تجعلها عاجزة عن الحساب العقلاني يؤدي إلى قراءة كل فعل إيراني بوصفه اندفاعاً أيديولوجياً، بينما يمكن قراءة السلوك نفسه بمنطق الأمن والبقاء والردع ومنع الخصم من فرض إرادته. فالكتاب يعتبر أن جوهر الخلاف الأميركي مع ايران ليس «لاعقلانيتها»، بل رفضها القبول بموقع تابع داخل النظام الإقليمي الذي تقوده واشنطن.

 

بعد ستة أشهر، يمكن رؤية شيء من هذه العقلانية القاسية في هرمز. إيران لم تحتج إلى التفوق على الأسطول الأميركي حتى تنتج أزمة استراتيجية. يكفيها فقط أن تجعل الملاحة غير مأمونة، وأن ترفع تكلفة التأمين والشحن والطاقة، وأن تجعل اقتصادات لا علاقة مباشرة لها بالحرب تدفع جزءاً من ثمنها. قبل الحرب كان نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية يمر عبر المضيق؛ واليوم تكفي بضع حوادث أو تهديدات لتعود الأسعار والقلق إلى الأسواق. وهذه ليست صورة انتصار إيراني بالمعنى التقليدي. فهي دفعت أثماناً بشرية واقتصادية وعسكرية جسيمة، وقدرتها على الاستمرار تحت العقوبات والحصار ليست بلا حدود. لكن الحرب تكشف الفارق بين القدرة على التدمير والقدرة على إخضاع الخصم.

الهيمنة الاميركية
الهيمنة الاميركية

فكرة الإخضاع هي أصل مشروع الهيمنة الأميركية، وأظهرت تطورات الأشهر الستة عجز القوة عن إنتاج نظام إقليمي جديد

في لبنان تأخذ المعادلة شكلاً أكثر تعقيداً. هنا لم تكن المشاركة الأميركية في العمليات العسكرية مماثلة لدورها المباشر في ضرب إيران؛ إسرائيل هي التي شنت الحرب، فيما تشكل أميركا المظلة السياسية الرئيسية لمسار التسوية وما بعد الحرب. لكن الفصل بين الجبهتين يبدو نظرياً أكثر منه واقعياً. والحرب مع لبنان اندلعت بعد يومين على بدء الهجوم على إيران، ثم انتهى تصعيدها الكبير ضمن المسار الإقليمي نفسه. سيطرت إسرائيل على شريط من الجنوب ووصل انتشارها في بعض المناطق إلى عمق يقارب عشرة كيلومترات. ثم جاء اتفاق الإطار الذي رعته واشنطن في 26 حزيران ليربط انسحاب العدو بنزع سلاح حزب الله والتحقق من ذلك عبر ترتيبات لم تكتمل آلياتها بعد. السلطة ترى في هذا المسار محاولة لاستعادة سيطرتها على الجنوب. أما حزب الله، فيرى في اتفاق الاطار ترتيبا مختلفا: يبقى الاحتلال قائماً حتى تتخلى المقاومة عن السلاح، فيتحول الانسحاب من التزام مترتب على الاحتلال إلى مكافأة مشروطة بتغيير ميزان القوة الداخلي اللبناني.

 

هنا يصبح كتاب أليستر كروك أكثر فائدة. فالمقاومة عنده ليست مجرد مجموعة من الصواريخ والبنادق يمكن حذفها من المعادلة بإزالة السلاح. إنها أولاً «رفض للخضوع». وهو يرى أن الحركات المقاومة تستخدم القوة لمحاولة تصحيح اختلال لا تستطيع تصحيحه في ميدان القوة التقليدية، بما يسمح بفرض المبادئ والمصالح التي يتجاهلها الطرف الأقوى على طاولة التسوية. بل يذهب إلى أن المقاومة، في نموذج حزب الله وحماس الذي يدرسه، لا تفهم نفسها بوصفها مشروعاً لحسم الصراع عسكرياً بقدر ما تراها أداة لتغيير سلوك الطرف الذي يملك التفوق ولمنعه من تحويل تفوقه إلى حق دائم في الإملاء.

وتكتسب هذه الفكرة معنى مباشراً في الجنوب اللبناني اليوم. والخطير هو محاولة نقل التناقض من الحدود إلى الداخل لدفع اللبنانيين نحو حل عسكري لم تستطع إسرائيل نفسها حسمه. ولهذا ظهرت التحذيرات من أن محاولة نزع سلاح حزب الله بالقوة يمكن أن تفتح باب صراع داخلي، فيما أظهر تطبيق أولى «المناطق التجريبية» في الجنوب مدى صعوبة تحويل الاتفاق إلى واقع: انسحاب محدود، قوات إسرائيلية تبقى على مسافات قصيرة، قرى مدمرة، سكان عاجزون عن العودة بصورة طبيعية، وآلية تحقق من نزع السلاح لا تزال غامضة.

كروك يعتبر أن ثقافة المقاومة لدى حزب الله لا تقتصر على الدفاع العسكري، بل تقوم على تقديم بعض المبادئ على الحساب البراغماتي المباشر، وعلى رفض تحويل ميزان القوة القائم إلى معيار للحق. هذه الفكرة تساعد في فهم سبب عجز لغة «لقد تغير ميزان القوى، وعليكم قبول النتائج» عن إنهاء المقاومة. قد تدفع الهزات العسكرية حركةً ما إلى تعديل استراتيجيتها، وقد تضعف قدراتها إلى حد كبير، لكنها قد تنتج أيضاً لدى جمهورها استنتاجاً معاكساً: أن الاعتماد على القوة الذاتية صار أكثر ضرورة لأن الدولة والنظام الدولي لم يمنعا الاحتلال أو القصف.

هنا يلتقي كروك مع آل ليفيريت بطريقة غير مباشرة. الأول يقول إن المقاومة تنشأ وتستمر لأنها تحاول تعديل علاقة غير متكافئة؛ والثاني يقول إن سياسة الهيمنة الأميركية تنتج خصومها لأنها تطلب منهم القبول بنظام إقليمي لا يترك لهم سوى خيار التكيف مع الإرادة الأميركية أو مقاومتها. وفي الحالتين تصبح المشكلة في الاعتقاد أن القوة قادرة على إلغاء السياسة. فإسرائيل والولايات المتحدة حققتا إنجازات عسكرية كبيرة، لكن الشرق الأوسط في آب 2026 ليس أقرب بالضرورة إلى النظام الذي أرادتا بناءه في شباط 2026.

مضيق هرمز صار ورقة ضغط عالمية،
مضيق هرمز صار ورقة ضغط عالمية،

إيران باقية، مضيق هرمز صار ورقة ضغط عالمية، دول الخليج تعيد التفكير في ترتيبات أمنها، ومسار التسوية في لبنان عالق بين احتلال إسرائيلي مستمر ومطلب نزع سلاح المقاومة. حتى الدول العربية التي كانت تعتمد بصورة شبه مطلقة على المظلة الأميركية بدأت تبحث عن ترتيبات إضافية. وما يعاد رسمه الآن ربما يكون شيئاً آخر: صورة القوة الأميركية ذاتها. فالهيمنة لا تُقاس بعدد الطائرات القادرة على الوصول إلى طهران، بل بقدرة القوة المهيمنة على إنتاج نظام مستقر يقبل به الآخرون.

 

لهذا لا ينتهي الطريق من طهران إلى جنوب لبنان عند السؤال عن مَن دمّر أكثر أو مَن بقي لديه العدد الأكبر من الصواريخ. السؤال الحقيقي هو مَن يستطيع تحويل ما بقي لديه من قوة إلى ترتيب سياسي قابل للحياة؟ الولايات المتحدة تستطيع مواصلة العقوبات، وإسرائيل تستطيع مواصلة القصف والاحتلال، وإيران وحزب الله يستطيعان الاستمرار في رفع كلفة ذلك بدرجات متفاوتة. لكن استمرار هذه المعادلة يعني أن المنطقة ستعيش بين حرب لا تُحسم وسلام لا يولد.

قبل سنوات، رأى آل ليفيريت أن المخرج يبدأ يوم تقر واشنطن بأن الجمهورية الإسلامية حقيقة سياسية لا مشروعاً مؤقتاً ينتظر السقوط. وأن المقاومة تستمر ما دام الطرف الأقوى يطلب من الطرف الأضعف أن يتكيف مع الظلم بدل إزالة أسبابه.
قد تستطيع القوة أن تفرض هدنة أو اتفاقاً على حكومة. لكنها لا تستطيع بسهولة أن تفرض على مجتمع كامل تفسيراً واحداً لما جرى. وسؤال كروك سيبقى مطروحاً: لماذا يقاوم الناس؟ والجواب الذي يقدمه التاريخ مراراً أن المشكلة لا تبدأ دائماً من وجود المقاومة؛ كثيراً ما تبدأ من النظام الذي يريد إزالة المقاومة من دون إزالة الأسباب التي أنشأتها.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com