«هآرتس» تحذّر: إسرائيل عالقة في مستنقع الجنوب
تتصدر الجبهة اللبنانية مساحة مهمة في القراءة الإسرائيلية، لكن اللافت أن الخلاف لا يدور فقط حول حجم التهديد الذي يمثله حزب الله، بل حول جدوى الاستراتيجية الإسرائيلية نفسها في الجنوب. وفي هذا السياق، تقدم «هآرتس» قراءة نقدية للسياسة الإسرائيلية، معتبرة أن استمرار الحرب والوجود العسكري في لبنان من دون هدف سياسي واضح قد يحوّلان الجبهة الشمالية إلى استنزاف طويل الأمد. وتأتي هذه القراءة ضمن نقاش أوسع داخل إسرائيل حول كيفية التعامل مع لبنان، وحول ما إذا كانت الأدوات العسكرية قادرة وحدها على تحقيق الأمن الدائم.
هآرتس: الجنوب اللبناني بين الردع والاستنزاف
تركز «هآرتس» في مقاربتها على سؤال جوهري: ما الهدف الاستراتيجي من استمرار العمليات الإسرائيلية في لبنان؟
وترى الصحيفة أن المشكلة لا تكمن فقط في المواجهات الميدانية، بل في غياب تصور سياسي واضح للمرحلة التالية. فحتى لو تمكن الجيش الإسرائيلي من إلحاق أضرار كبيرة بالبنية العسكرية لحزب الله، فإن ذلك لا يعني بالضرورة إنهاء قدرته على إعادة تنظيم صفوفه أو منع عودته إلى العمل في المناطق الحدودية.
ومن هذه الزاوية، تنظر الصحيفة بقلق إلى احتمال تحول الوجود الإسرائيلي في جنوب لبنان إلى وضع طويل الأمد، يشبه التجارب السابقة التي عاشتها إسرائيل على الحدود اللبنانية. وترى أن البقاء العسكري من دون تسوية سياسية قد يؤدي إلى استمرار الاحتكاك بدلاً من إنهائه.
معضلة حزب الله
تتعامل «هآرتس» مع حزب الله باعتباره تحدياً لا يمكن حسمه عسكرياً بصورة نهائية فقط، لأن التنظيم، وفق القراءة التي تنقلها الصحيفة، يستطيع إعادة بناء جزء من قدراته حتى بعد تعرضه لضربات قاسية.
وهنا تبرز المفارقة: إسرائيل تريد إبعاد التهديد عن حدودها، لكن استمرار العمليات والوجود العسكري قد يوفران في المقابل مبررات لاستمرار المواجهة، ويجعلان الحدود الشمالية منطقة صراع مفتوح.
وبالتالي، فإن السؤال الإسرائيلي لم يعد فقط: «كيف نضرب حزب الله؟»، بل أصبح أيضاً: «كيف نصل إلى وضع أمني لا يحتاج إلى حرب مستمرة؟».
الانتقاد داخل إسرائيل
وتكشف هذه المقاربة عن وجود نقاش إسرائيلي داخلي حول طريقة إدارة الحرب. فبينما يرى التيار الأمني المتشدد أن الضغط العسكري هو الوسيلة الأساسية لفرض واقع جديد على الحدود، تطرح أصوات أخرى، ومنها «هآرتس»، ضرورة البحث عن مسار سياسي يواكب العمل العسكري.
وهذا الخلاف مهم لأنه يعكس انقساماً في تقييم نتائج السياسة الإسرائيلية: هل يؤدي الضغط العسكري إلى إضعاف الخصم فعلاً، أم أنه يفتح دورة جديدة من المواجهة؟
لبنان في الحسابات الإسرائيلية
تقرأ الصحيفة الساحة اللبنانية باعتبارها أكثر من مجرد جبهة عسكرية. فهناك الجيش اللبناني، والدولة اللبنانية، والقوى السياسية، والضغوط الدولية، إلى جانب حزب الله. ولذلك فإن أي استراتيجية إسرائيلية طويلة الأمد تحتاج، وفق هذه الرؤية، إلى التعامل مع هذه العناصر مجتمعة وليس مع الجانب العسكري وحده.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ظل استمرار البحث عن ترتيبات للحدود الجنوبية، لأن أي تسوية مستقبلية تحتاج إلى آلية تضمن الأمن من الجانبين، لا إلى مجرد وقف مؤقت للعمليات.
الخلاصة
ما يميز قراءة «هآرتس» هو أنها لا تكتفي بنقل التطورات العسكرية، بل تضع الاستراتيجية الإسرائيلية نفسها موضع السؤال. فالصحيفة ترى أن النجاح العسكري لا يتحول تلقائياً إلى نجاح سياسي، وأن استمرار الوجود العسكري في جنوب لبنان من دون هدف نهائي واضح يمكن أن يحوّل الجبهة الشمالية إلى مصدر استنزاف دائم. وهذه القراءة تضع لبنان في قلب النقاش الإسرائيلي حول «اليوم التالي» للحرب.
