تجاوزت الكلفة الإجمالية للحرب الإسرائيلية على قطاع غزة 420 مليار شيكل، أي نحو 142 مليار دولار وفق أحد التقديرات، وسط تداعيات مالية متزايدة على الاقتصاد الإسرائيلي، تشمل ارتفاع الدين العام، وزيادة الإنفاق العسكري، والحاجة إلى تمويل نفقات دفاعية ضخمة خلال السنوات المقبلة.

وبحسب تقرير نشرته صحيفة هآرتس الإسرائيلية، فإن الحرب التي امتدت لسنوات فرضت على إسرائيل أعباء مالية غير مسبوقة، فيما يُتوقع أن تقترب الكلفة الإجمالية قريباً من نصف تريليون شيكل، أي نحو 169 مليار دولار.

وتشير بيانات رسمية إسرائيلية إلى أن العبء المالي للحرب تجاوز بالفعل مستويات ما قبل الحرب، فقد قدّر بنك إسرائيل الكلفة المالية للحرب التي بدأت في أكتوبر/تشرين الأول 2023 بنحو 350 مليار شيكل خلال الفترة 2023-2026، من دون احتساب القرارات التي اتخذت منذ بدء الحرب مع إيران في فبراير/شباط 2026.

1.5 تريليون شيكل للإنفاق الدفاعي خلال عقد

1.5 تريليون شيكل للإنفاق الدفاعي خلال عقد
1.5 تريليون شيكل للإنفاق الدفاعي خلال عقد

لم تتوقف الأعباء عند تكلفة العمليات العسكرية في غزة، إذ تتجه إسرائيل إلى مرحلة جديدة من الإنفاق الدفاعي المرتفع.

وبحسب التقرير، من المتوقع أن تنفق إسرائيل نحو 1.5 تريليون شيكل، أي قرابة 500 مليار دولار، على الدفاع خلال السنوات العشر المقبلة، في إطار ما يوصف بأنه مرحلة مكثفة من الإنفاق العسكري.

وتؤكد الأرقام الرسمية حجم التحول في أولويات الموازنة الإسرائيلية. فقد أقر الكنيست موازنة دفاع لعام 2026 تبلغ نحو 143 مليار شيكل من موازنة الدولة، إضافة إلى نحو 22 مليار شيكل من النفقات المشروطة بالإيرادات، فضلاً عن 82.2 مليار شيكل مخصصة لالتزامات مستقبلية. كما يجري بحث خطة لبناء القوة العسكرية على مدى عقد ابتداءً من عام 2027 بقيمة 350 مليار شيكل.

ارتفاع حاد في ميزانية الدفاع

ارتفاع حاد في ميزانية الدفاع
ارتفاع حاد في ميزانية الدفاع

ارتفعت ميزانية الدفاع الإسرائيلية من 74.2 مليار شيكل عام 2020 إلى نحو 175.9 مليار شيكل عام 2025، وفق البيانات التي أوردتها الصحيفة، مع توقع وصولها إلى نحو 188 مليار شيكل خلال عام 2026.

ويعكس هذا الارتفاع انتقال الإنفاق العسكري الإسرائيلي إلى مستوى أعلى بكثير من الفترة التي سبقت الحرب، في وقت تشير فيه تقديرات بنك إسرائيل إلى أن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تدور حول 69% خلال عامي 2026 و2027 في السيناريو الأساسي.

كما حذر معهد الديمقراطية الإسرائيلي من أن استمرار ارتفاع الإنفاق الدفاعي قد يفرض ضغوطاً على الإنفاق المدني والخدمات العامة خلال السنوات المقبلة.

الإنفاق الدفاعي يضغط على الاقتصاد الإسرائيلي

الإنفاق الدفاعي يضغط على الاقتصاد الإسرائيلي
الإنفاق الدفاعي يضغط على الاقتصاد الإسرائيلي

بلغت نسبة الإنفاق الدفاعي إلى الناتج المحلي الإجمالي الإسرائيلي 7.4% خلال عام 2025، بحسب التقرير، وهي نسبة تفوق بكثير مستويات الإنفاق الدفاعي في عدد من الاقتصادات الغربية.

وتثير هذه الأرقام أسئلة حول قدرة الاقتصاد الإسرائيلي على مواصلة تمويل النفقات العسكرية المرتفعة، خصوصاً مع استمرار الحاجة إلى تمويل إعادة التأهيل والتعويضات والنفقات المدنية المرتبطة بالحرب.

وتشير بيانات بنك إسرائيل إلى أن نحو نصف التكاليف المرتبطة بالحرب جرى تمويلها من خلال إصدار الديون، ما يعكس حجم الضغط الذي انتقل من الموازنة الحالية إلى الالتزامات المالية المستقبلية.

هآرتس تطرح ثلاثة أسئلة

هآرتس تطرح ثلاثة أسئلة
هآرتس تطرح ثلاثة أسئلة

بحسب التقرير، تتركز التداعيات الاقتصادية للحرب حول ثلاثة أسئلة أساسية:

  • هل تؤمّن هذه النفقات العسكرية مستوى كافياً من الأمن؟
  • هل كان بالإمكان تحقيق النتائج العسكرية نفسها بتكلفة أقل؟
  • من سيتحمل في النهاية أعباء هذه النفقات؟

ويرى التقرير أن الإجابة عن السؤال الأول تحتاج إلى وقت، في ظل استمرار التحديات الأمنية وارتفاع الحاجة إلى مخصصات الدفاع.

أما السؤال الثاني فيتعلق بكفاءة الإنفاق العسكري، ولا سيما حجم استخدام القوات والذخائر والمعدات خلال الحرب.

قوات الاحتياط تضاعف فاتورة الحرب

قوات الاحتياط تضاعف فاتورة الحرب
قوات الاحتياط تضاعف فاتورة الحرب

كان اعتماد إسرائيل على قوات الاحتياط أحد أبرز العوامل التي رفعت الكلفة الاقتصادية للحرب.

وبحسب التقرير، كان الجيش الإسرائيلي يحتفظ عادة بنحو 6 آلاف جندي احتياط في إطار منظومته التشغيلية، لكن الحرب دفعت العدد إلى نحو 22 ألفاً وفق الأرقام الواردة في التقرير، ما أدى إلى زيادة كبيرة في تكاليف الرواتب والتجهيزات والغذاء والوقود والنقل.

ولا تقتصر تكلفة الاحتياط على النفقات العسكرية المباشرة، بل تمتد إلى الاقتصاد المدني، بسبب غياب آلاف العاملين عن وظائفهم لفترات طويلة، وما يترتب على ذلك من خسائر في الإنتاج والنشاط الاقتصادي.

الحرب دفعت إلى زيادة الضرائب

الحرب دفعت إلى زيادة الضرائب
الحرب دفعت إلى زيادة الضرائب

مع اتساع حجم الإنفاق، اتجهت وزارة المالية الإسرائيلية إلى البحث عن مصادر إضافية للتمويل.

ووفق تقرير هآرتس، رفعت إسرائيل الضرائب بنحو 35 مليار شيكل، أي قرابة 12 مليار دولار، خلال عام 2025، بعدما اتضح أن الحرب ستستمر لفترة أطول من التقديرات الأولى، وتمتد آثارها إلى جبهات أخرى.

وجاءت الزيادات الضريبية أيضاً في ظل مخاوف من أن يؤدي التوسع في الاقتراض إلى مزيد من الضغوط على التصنيف الائتماني لإسرائيل، وبالتالي زيادة تكلفة الاقتراض الحكومي.

دعم أمريكي يخفف العبء مؤقتاً

دعم أمريكي يخفف العبء مؤقتاً
دعم أمريكي يخفف العبء مؤقتاً

شكل الدعم الأميركي أحد مصادر التمويل المهمة لإسرائيل خلال الحرب.

وبحسب التقرير، زادت المساعدات الأميركية لإسرائيل بنحو 8.7 مليارات دولار خلال الحرب للمساهمة في تغطية نفقات مرتبطة بالعمليات العسكرية، بما في ذلك نقل الذخائر جواً.

لكن التقرير يشير إلى أن المساعدات الاقتصادية الأميركية الحالية، والتي تبلغ نحو 3.8 مليارات دولار سنوياً، قد تتراجع تدريجياً خلال السنوات المقبلة، الأمر الذي يمكن أن يخلق فجوة تمويلية إضافية أمام الحكومة الإسرائيلية.

وتظهر أهمية هذا الدعم في ظل استمرار الإنفاق الدفاعي المرتفع؛ إذ تشير بيانات الكنيست إلى أن جزءاً من النفقات الدفاعية الإسرائيلية لعام 2026 يعتمد على منح المساعدة الأميركية وإيرادات أخرى.

بنك إسرائيل تدخل لحماية الشيكل

بنك إسرائيل تدخل لحماية الشيكل
بنك إسرائيل تدخل لحماية الشيكل

مع تصاعد الضغوط المالية والاقتصادية، اتخذ بنك إسرائيل المركزي إجراءات لدعم العملة الإسرائيلية ومنع تفاقم الاضطرابات في الأسواق.

ووفق التقرير، باع محافظ البنك أمير يارون ما يصل إلى 30 مليار دولار من السندات بهدف حماية الشيكل، بالتزامن مع تنسيق مالي ونقدي مع الولايات المتحدة.

وتعكس هذه الإجراءات حجم الضغوط التي واجهها الاقتصاد الإسرائيلي منذ اندلاع الحرب، والتي لم تقتصر على الموازنة العامة، بل امتدت إلى سوق العملات والأسواق المالية وثقة المستثمرين.

الحكومة المقبلة أمام قرارات صعبة

الحكومة المقبلة أمام قرارات صعبة
الحكومة المقبلة أمام قرارات صعبة

تتجه الأنظار إلى الحكومة الإسرائيلية المقبلة لمواجهة فاتورة الحرب المتراكمة.

وبحسب التقرير، ستجد الحكومة نفسها أمام ارتفاع كبير في الدين العام، إلى جانب الحاجة إلى تمويل زيادة مستمرة في الإنفاق الدفاعي خلال السنوات المقبلة.

كما سيكون عليها تحديد كيفية توزيع أي زيادات ضريبية جديدة، وموازنة الإنفاق العسكري مع قطاعات الصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية، إضافة إلى التعامل مع أي انخفاض محتمل في المساعدات الأميركية.

وتشير تقديرات بنك إسرائيل إلى أن السياسة المالية التي ستتبعها الحكومة المقبلة، خصوصاً فيما يتعلق بحجم ميزانية الدفاع وطريقة تمويلها، تمثل أحد مصادر عدم اليقين الرئيسية للاقتصاد الإسرائيلي.

عبء الحرب لا ينتهي بانتهاء القتال

تكشف الأرقام أن الكلفة الاقتصادية للحرب لا تتوقف عند النفقات التي دُفعت خلال العمليات العسكرية.

فحتى بعد تراجع العمليات، ستبقى إسرائيل أمام نفقات طويلة الأمد تشمل تمويل الجيش، وإعادة تأهيل الجنود، وتعويض المتضررين، وخدمة الدين، وتمويل الموازنات الأمنية المرتفعة.

كما أن استمرار الإنفاق العسكري عند مستويات مرتفعة قد يفرض قيوداً على الإنفاق المدني، وهو ما حذر منه معهد الديمقراطية الإسرائيلي في دراسته لموازنة 2026، مشيراً إلى أن زيادة الإنفاق الدفاعي قد تأتي على حساب بعض النفقات المدنية والاستثمار في محركات النمو.

تكشف فاتورة الحرب على غزة عن تحول اقتصادي عميق داخل إسرائيل، بعدما تجاوزت تكلفة الحرب مئات مليارات الشواكل، وارتفع الإنفاق الدفاعي والدين العام، فيما لجأت الحكومة إلى الضرائب والاقتراض والدعم الأميركي لتمويل الأعباء المتزايدة.

ومع استمرار التخطيط لإنفاق دفاعي ضخم خلال العقد المقبل، يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع إسرائيل تحمل الكلفة الاقتصادية طويلة الأمد للحرب، ومن سيدفع ثمنها في النهاية؟

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com