د. محمد خليل رضا:لهذه الأسباب نبحث عن أشلاء ما تبقى من جثث اللبنانيين والأجانب ضحايا الحرب الإسرائيلية على لبنان

الحلقة الثانية والأخيرة

بقلم: د. محمد خليل رضا
سبق أن أشرت في الحلقة الأولى من هذه المقالة المختصرة جدًا إلى أبعاد وأهمية جمع والبحث عن أشلاء الشهداء، رحمهم الله، الذين استشهدوا بالأمس في بلدة أنصار، وغيرهم من الشهداء، رحمهم الله، في جغرافيا أخرى.
وذكرت في نهاية الحلقة الأولى ما يتعلق بالجهاز التنفسي وخلاياه.
ولا يقتصر عمل خلايا الرئتين على عملية التنفس ودور الحويصلات الرئوية في تبادل الغازات (O₂-CO₂)، بل يتجاوز دور هذه الخلايا التنفسية ذلك بكثير.
بدليل أن البطانة التنفسية (Endothelium) تفرز، في إحدى أنواع الخلايا التنفسية، إنزيمًا له علاقة بتنظيم ومراقبة ضغط الدم، وهو:
Enzyme de conversion de l’angiotensine
وأستذكر تحديدًا ما ورد في القرآن الكريم، في سورة التين، الآية رقم 4:

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾

وأيضًا الآية رقم 49 من سورة القمر:

﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾

صدق الله العظيم.

الخلايا الموجودة في الجهاز التنفسي

ربما تكون من ضمن هذه الأشلاء المتناثرة التي نعثر عليها خلال الحرب، وفي أكثر من جغرافيا في لبنان، بقايا من الجهاز التنفسي.
ومن الناحية البيولوجية، والفيزيولوجية، والاستقلابية (Métabolique) والوظيفية، وغيرها، هناك العديد من الخلايا والمسالك التنفسية.
سأذكرها كعناوين سريعة:

خلايا الممرات الهوائية: الظهارة التنفسية (Épithélium respiratoire).

الخلايا المهدبة.

الخلايا الكأسية.

الخلايا المناعية والدموية، ومنها الخلايا البلعمية.

الخلايا المبطنة للأوعية الدموية.

خلايا مركز التنفس في الدماغ.

وماذا عن الخلايا الهضمية؟

لا يوجد رقم معتمد، بحسب الدراسات والأبحاث العالمية، لعدد الخلايا الهضمية في جسم الإنسان؛ لأن الجهاز الهضمي يتكون من عدة أعضاء مختلفة، وتضم هذه الأعضاء أنواعًا كثيرة جدًا من الخلايا، تُقدّر بالمليارات وربما بالتريليونات، خصوصًا إذا ما احتسبنا الأنسجة المبطنة والبكتيريا النافعة.

ملاحظة سريعة وقيمة

ومن باب ذكر ما ينفع، وبالنسبة إلى البطانة الوعائية:

تبلغ المساحة الإجمالية لسطح البطانة الوعائية في جسم الإنسان البالغ، بحسب بعض المصادر، حوالي 300 إلى 1000 متر مربع.

وفي مصادر ومراجع أخرى، وللأمانة العلمية، قد تُذكر مساحة أكبر، تصل إلى حوالي 3000 إلى 6000 متر مربع، بعد احتساب الشبكات الدقيقة جدًا.

ويُقدّر عدد الخلايا البطانية في جسم الإنسان بحوالي تريليون إلى عشرة تريليونات خلية.

أما وزن الخلايا البطانية في الجسم، فقد يزيد على مئة غرام، وقد يصل إلى حوالي كيلوغرام واحد بحسب التقديرات والمراجع المستخدمة.

أنواع الخلايا في الجهاز الهضمي

أنواع الخلايا في الجهاز الهضمي عديدة، أذكر منها، على سبيل المثال:

خلايا المعدة.

خلايا الأمعاء الدقيقة.

خلايا البنكرياس.

وغيرها، وغيرها…

ولكل منها أهميتها ودورها ووظيفتها على مختلف المحاور:

البيولوجية.

الاستقلابية (Métabolique).

الفيزيولوجية.

وغيرها.

لكنني سأركز، وكمعلومات سريعة جدًا، على البنكرياس.

جزر لانغرهانس في البنكرياس

يحتوي البنكرياس، ضمن أنسجته، على العديد من الجزر الصغيرة جدًا التي نشاهدها بواسطة المجهر، وهي:
جزر لانغرهانس (Îlots de Langerhans).
وقد اكتشفها عالم التشريح والأحياء الألماني بول لانغرهانس (Paul Langerhans)، الذي عاش بين عامي 1847 و1888.
وهذه الجزر تحتوي على عدة أنواع من الخلايا، ولكل منها دورها ووظيفتها ومسؤوليتها وقيمتها العلمية والطبية والوظيفية.

خلايا بيتا

تفرز هرمون الإنسولين (Insulin)، الذي يخفض نسبة السكر في الدم.

خلايا ألفا

ويا سبحان الخالق المصور، الله عز وجل، توجد داخل البنكرياس خلايا تزيد نسبة السكر في الدم من خلال هرمون:
الغلوكاغون (Glucagon).

خلايا دلتا

تفرز هرمون السوماتوستاتين (Somatostatin)، الذي ينظم إفراز الهرمونات الأخرى، وله أدوار عديدة.

خلايا غاما

تنتج الببتيد البنكرياسي (Pancreatic Polypeptide)، الذي له دور في تنظيم إفرازات الجهاز الهضمي والوظائف البنكرياسية.

خلايا إبسيلون

(Epsilon cells)، وتفرز هرمون الغريلين (Ghrelin)، الذي يحفز الشعور بالجوع.

عظمة الخالق في خلق الإنسان

ونستذكر أيضًا، ومن خلال عظمة الخالق، الله سبحانه وتعالى، وفي هذه الأشلاء التي نعثر عليها والمتناثرة في أكثر من جغرافيا في لبنان جراء الحرب الإسرائيلية المدمرة على لبنان، ومعطوفة على دراسات وأبحاث العلماء والباحثين والأطباء وذوي الاختصاص، كلٌّ في مجاله، ومنهم العالم الألماني بول لانغرهانس.
ونستذكر إبداع الخالق في تكوين خلقه.
وكمثال سريع وواقعي، ماذا نجد في:
جزر لانغرهانس (Îlots de Langerhans)؟
ونربطها بالإعجاز القرآني في سورة التين، الآية رقم 4:

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾

والآية رقم 49 من سورة القمر:

﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾

قرآن كريم، صدق الله العظيم.
ونكرر ذلك قصدًا وعمدًا، وللضرورة العلمية والإيمانية.
وهنا أكررها بكل ثقة واعتزاز وافتخار:
يتجلى الإعجاز القرآني، حتى، ويا عالم ويا هو، في أشلاء وما تبقى من جثث الشهداء، رحمهم الله.
وفي هذه الجزر والخلايا الموجودة في البنكرياس، مثلًا، نجد خلايا تخفض معدل السكر في الدم، وأخرى تزيده.
وأيضًا، وتريليون أيضًا، وفي المكان نفسه الذي نشاهده بالمجهر، نجد خلايا لها علاقة بالهرمونات والإنزيمات الهضمية، وخلايا أخرى تفرز هرمون الغريلين الذي يحفز الشعور بالجوع.
حقًا:
﴿رَبٌّ يُعْبَدُ﴾.

العلم والدين

واستطرادًا، حبذا لو يركز علماء وأئمة المساجد والمسلمون في العالم على الجانب العلمي، إضافة إلى الجانب الفقهي والتبليغي.
وأن لا نهتم ونتوسع كثيرًا في النقاش والاختلاف والاحتداد حول أسئلة من قبيل:
هل يجوز حلق اللحية:

بالمقص؟

بالماكينة اليدوية؟

بالماكينة الكهربائية؟

أو بوسيلة أخرى؟

يا جماعة، نحن نريد أن:

﴿يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾

وليس أن يخرجوا من الدين أفواجًا.
قال تعالى في سورة النصر، الآية رقم 2:

﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾

قرآن كريم، صدق الله العظيم.

الأشلاء البشرية: منصات وشواهد تنطق بالحقيقة

إذًا، وبالمحصلة، عندما:
نجمع، نبحث، نعثر، ننتشل، نلم، نحصل…
على أشلاء بشرية، أيًا يكن حجمها، فهي بمثابة منصات ومراكز وأبواق صادقة، ومواقع إعلامية وبيولوجية واستقلابية وعلمية، وكنوز مخبرية وفيزيولوجية ومعلوماتية متطورة جدًا، جدًا، جدًا، وبكافة المقاييس، كمًا ونوعًا.
إنها عصارة ما ذكرت، وتنطق بجميع اللغات واللهجات المحلية والمناطقية لسكان القارات العالمية جمعاء، وحتى تتقن أسلوب وبراعة لغة الجسد وجميع الإعاقات.
ولنقل إلى من يهمه الأمر، وكما عرفتم في الحلقة الأولى، وأستكملها في هذه الحلقة الثانية والأخيرة:
إن جسم الإنسان يحتوي على ما بين 30 إلى 40 تريليون خلية.
وهذه الخلايا:
متأصلة، ومتجذرة، ومتحركة، ومرنة، ومطاطية، وناطقة بيولوجيًا، وفيزيولوجيًا، ومناعيًا، واستقلابيًا، ومخبريًا، وإبداعيًا.
وأيًا تكن هذه الأشلاء الطاهرة والغالية:
لأطفال، ولرضع، وفتيان وفتيات، وشباب وشابات، ومراهقين ومراهقات، ورجال ونساء، وكبار في السن، ومرضى، ومعاقين، ومقاومين، وإعلاميين…
وأيًا يكن حجمها.

ذاكرة الأرض التي لا تموت

بالتوازي مع هذه الأشلاء، وأكرر: أيًا يكن حجمها، فإن هذه الأشلاء، وعلى مدار الساعة، تنبض وميضًا ومشاعل، طاقتها وقود من:
العزة، والشهامة، والكرامة، والشموخ، والنصر، والفداء، والنبل، والإيثار، والحماية، والمروءة، والعهد، والثبات في المواقف.
وتتمسك، بكل فخر واعتزاز وثقة وعنفوان، بحفيف أغصان أوراق الزيتون، وأكوام شتلات التبغ، وأصوات النورج على البيادر لحبات القمح والحبوب.
وتردد، ونردد معها عن بُعد وبالتواتر، مع تكبيرات أذان المساجد، وروحانيات الحسينيات ودور العبادة، وصدى أجراس الكنائس التي تتلاقى بالفطرة مع أصوات المساجد وتكبيراتها وأصوات المؤذنين.
والذبذبات الصوتية تصل إليها عبر خطوط مدروسة، ودور العبادة هذه والمقابر التي تحتضن رفات الآباء والأجداد والأهل والأقارب وأبناء القرية والمدينة.
هذه الأرض التي دمرها وحرقها ونكل بها العدو الإسرائيلي، تقول له وللعالم، بلغة بيولوجية ومخبرية واستقلابية ومناعية وحركية ونابضة، وتخرج من خلايا هذه الأشلاء لشهداء، رحمهم الله:
الأرض أرضنا.
وملكنا فيها عصارة ورحيقًا وعطرًا وشذى وأريجًا، ورائحة ملابس آبائنا وأجدادنا وجيراننا وأقاربنا وأبناء وطننا، وعلى مساحة 10,452 كيلومترًا مربعًا.
وهي مطبوعة بزقزقة طيور حقولنا وبساتيننا وأشجارها المعمرة، من شجرة الزيتون إلى شجرة الميس في ساحة القرية والبلدة، وإلى لمسات أصابع راعي القرية وهو يحرك بفنياته الناي وأخواته.
ونسمع عن قرب وعن بعد، وبالفطرة وبالتواتر، من التحام هذه الأشلاء البشرية وخلاياها المتعددة، وهي تردد بلهجة خاصة، لكنها مفهومة ومقروءة ومسموعة.

من كربلاء إلى لبنان

ومع الإمام أبي عبد الله الحسين وابنه علي الأكبر، عليهما السلام:

«يا بُني، ألسنا على الحق؟»
قال: «بلى يا أبتاه.»
قال: «إذن لا نبالي أوقعنا على الموت أم وقع الموت علينا.»

وأيضًا، تريليونات من الخلايا تردد ما قاله هذا الصحابي الجليل من أصحاب الإمام الحسين، عليه السلام، واسمه:
سعيد بن عبد الله الحنفي:

«والله لو علمت أني أُقتل، ثم أُحيا، ثم أُحرق حيًا، ثم أُذرّى، يُفعل ذلك بي سبعين مرة، ما فارقتك حتى ألقى حمامي دونك، وما تركتك يا حسين.»

بربكم، هذه مشهدية لأرواح وأشلاء ومدارس جهادية، حسينية، كربلائية، حيدرية، زينبية، وتصدح بأعلى الأصوات النابضة والمتحركة والمؤثرة والمتكلمة:
مخبريًا، وبيولوجيًا، واستقلابيًا، ومناعيًا، وفيزيولوجيًا، وبجميع لغات ولهجات دول العالم.
فمن يقف أمامها؟
وأمام هذا التسونامي المخبري والعلمي والطبي والروحاني والإيماني وبالفطرة؟
وكما قالت ذات مرة السيدة الحوراء زينب بنت الإمام علي، وأخت الإمامين الحسن والحسين، عليهم السلام، في مجلس أحد طغاة العصر الفاسقين:

«فوالله لا تمحو ذكرنا.»

ونسقطها اليوم على العدو الإسرائيلي، ونقول له وللشيطان الأكبر، الولايات المتحدة الأميركية، وأخواتها في العالم:

«فوالله لا تمحو ذكرنا.»

«ألا وإن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين: بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة.»

الأشلاء ستنطق يومًا

وبهذه الروحية الصلبة والشجاعة والصابرة والمحتسبة والمظلومة والمقتولة والمستشهدة غيلة وظلمًا وعدوانًا، بالطبع، فهذه الأشلاء البشرية ستنطق يومًا من الأيام، وتشهد للتاريخ، الذي هو سجل الأمم:
ماذا حدث لها؟
ومن هو المجرم؟
ومن هو القاتل؟
ومن هو المغتصب للأرض والشجر والحجر والتربة وأشجار الزيتون ومفاتيح العودة؟
ونستذكر معها، ومعكم، ما ورد في القرآن الكريم في سورة المؤمنون، الآية رقم 62:

﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾

والآية رقم 29 من سورة الجاثية:

﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

صدق الله العلي العظيم.

الخاتمة

أختم هذه الحلقة الثانية والأخيرة من هذه المقالة المختصرة جدًا، جدًا، بذكر ما صدر، بحسب وزارة الصحة اللبنانية، بالأمس:
«عدد الشهداء بحسب آخر تحديث: ارتفاع الحصيلة التراكمية للعدوان الإسرائيلي منذ 2 آذار (مارس) إلى 4346 شهيدًا، و1231 جريحًا.»
وأزيد عليها شخصيًا، أنا الدكتور محمد خليل رضا:
هل أحصيتم ضمنًا الأشلاء وما تبقى من جثث الشهداء، رحمهم الله؟
فكروا فيها… وبهدوء.
د. محمد خليل رضا

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com