كتب أيمن جزيني:

أسباب كثيرة تدفع الساسة والقادة والزعماء عادةً إلى كتابة مذكّراتهم. بعض تلك الأسباب يتعلّق بالماضي، وبعضها بالحاضر ويأتي غالباً على هيئة تبرير مواقف وشرح مراحل ومحطّات سياسيّة لنيل مكسب سياسيّ أو شعبيّ ما في المدى القريب، وبعضها الأخير يتعلّق بالمستقبل ولا يأتي غالباً على هيئة نصائح، بل يكفي، خاصّةً في بلد مثل لبنان، أن يقدّم قراءةً للماضي ليستشرف المستقبل ويقدّم النصح لمن يخلفه أو يأتي بعده.

على الأغلب تندرج مذكّرات وليد جنبلاط الصادرة بالفرنسيّة عن دار “ستوك” في باريس، قبل أن يترجمها أدونيس سالم إلى العربيّة وتصدرها دار هاشيت أنطوان، في إطار الفئة الأخيرة. فهو ابن بيت سياسيّ ورث الزعامة وأورثها، وعلى عاتقه تقع مسؤوليّة الماضي والحاضر والمستقبل.

تندرج مذكّرات وليد جنبلاط الصادرة بالفرنسيّة عن دار “ستوك” في باريس، قبل أن يترجمها أدونيس سالم إلى العربيّة وتصدرها دار هاشيت أنطوان، في إطار الفئة الأخيرة

عنوان حياة

أوّل ما يلفت في مذكّرات جنبلاط العنوان الذي صدرت به: “قدرٌ في هذا المشرق/ من الحرب الأهليّة إلى السلام المستحيل”. فأن يضع سياسيّ عنواناً لمذكّراته يعني أنّ هذا العنوان يصلح لحياته كلّها أو لتجربته السياسيّة. فكيف إذا كان صاحب المذكّرات فرداً وجماعةً وحزباً وطائفةً في آن معاً؟

عليه، يصلح عنوان “قدر في هذا الشرق” ليكون عنوان مذكّرات جدّه بشير جنبلاط، أو والده كمال جنبلاط، وحتماً يصلح ذات يوم ليكون عنوان مذكّرات نجله ووريثه تيمور جنبلاط. يصلح أيضاً ليكون عنواناً لتاريخ طائفة الموحّدين الدروز في لبنان، لا بمعنى الاختزال بقدر ما هو بمعنى السياق.

القدر هنا مشترك، هو قدر فرديّ وعائليّ، يشمل فرداً وعائلةً كما يشمل طائفةً بقضّها وقضيضها، وقد يكون السبب الرئيس وراء هذا الزعامة التي يمثّلها آل جنبلاط.

القدر هنا لا يعني الموت وإن كان قدر البشر كلّهم، بقدر ما يعني الوجود، وجود وليد جنبلاط فرداً وبما ومن يمثّل، أي وجوده فرداً وجماعةً، حزباً وطائفةً.

فهل القدر الذي يحكي عنه جنبلاط هو قدر الموحّدين الدروز كلّهم في لبنان وخارجه أم قدر آل جنبلاط في قيادة هذه الطائفة؟ بمعنى آخر، هل يقدّم جردة حساب أمام الطائفة أم يقدّم لها النصائح والتوجيهات لمرحلةٍ لن يكون موجوداً فيها؟

الأرجح أنّ جنبلاط في مذكّراته أبعد ما يكون عن تقديم جردة وأقرب ما يكون إلى كتابة المستقبل لا الماضي، مستقبل آل جنبلاط ومستقبل الدروز في المشرق. مذكّرات وليد جنبلاط هنا مسعى سياسيّ جديد أو مبادرة سياسيّة للتأثير على الأحداث المقبلة، في محاولة للتأثير في المستقبل كما في التاريخ.

قدر في هذا المشرق .. من الحرب الأهلية إلى السلام المستحيل
قدر في هذا المشرق .. من الحرب الأهلية إلى السلام المستحيل

سيرة فرد أو عائلة أو طائفة؟

عن مذكّرات وليد جنبلاط تُكتب مئات المقالات، فقد تناول فيها الكثير من المحطّات التاريخيّة وإن مرّ سريعاً على بعضها، من “مذابح عام 1860، التي سيّلت الدماء أنهاراً من الشوف وصولاً إلى دمشق”، إلى يومنا الراهن مروراً بالحرب الأهليّة واجتياح إسرائيل بيروت وحرب الجبل ووصولاً إلى اغتيال رفيق الحريري و14 آذار ثمّ 7 أيّار الشهير انتهاء بأيّامنا هذه.

تنقّل في الجغرافيا من السجن الكبير إلى السجن الصغير: “منطقتنا كانت بمثابة جيبٍ محاصَر في قلب جبل لبنان التاريخيّ. وهذه العزلة الجغرافيّة وإن ضمنت حمايتنا من الهجمات، فإنّ من شأنها أن تخنقنا أيضاً”، برشاقة ترجمها السرد المتنقّل عبر الزمن تأخيراً وتقديماً، حيث يعود فجأةً مئة عام إلى الوراء ثمّ يعيدك إلى اللحظة الراهنة بكلمة أو بفكرة أو بمقطع لا تشعر أبداً وأنت تقرأ أنّه خارج السياق.

لكنّ الجغرافيا الأبرز والأشدّ حضوراً هنا هي المختارة، والاسم “يشير إلى قريتنا التي تُعدّ بمثابة عاصمةٍ للدروز في لبنان، والكيان السياسيّ الذي يجسّد نفوذ طائفتنا وآل جنبلاط. ويشير في الوقت عينه إلى دارتنا العائليّة العريقة والمهيبة، كما وصفها الصحافيّ لوسيان جورج، التي نسكنها منذ القرن الثامن عشر، بعدما أتينا، بحسب الرواية العائليّة، من حلب في سوريا، حيث نجد حتّى اليوم، قصراً لآل جنبلاط”.

روى جنبلاط في مذكّراته الكثير عن سيرته الشخصيّة والسياسيّة، منذ اكتشف وهو في التاسعة من عمره أنّ والده “شخصيّة ذات أهمّيّة”، فزاد إعجابه به، مروراً بإلباسه عباءة الزعامة عام 1977 يوم اغتيال والده، الذي “لا يزال لغزاً”، وهو إلى اليوم يقول عنه: “منذ ذلك اليوم، لم أعرف طعم الراحة قطّ”، وقد قرّر فيه أنّ والده “سيُدفن غداً عند الواحدة ظهراً! وكان ذلك القرار السياسيّ الأوّل الذي أتّخذه”، وصولاً إلى توريثه نجله تيمور حيث يقول “ألبستُ بدوري ابني البكر تيمور العباءة ذاتها لتسليمه السلطة، ولكن من دون دماءٍ مسفوكة هذه المرّة. بالنسبة لنا، كان ذلك انتصاراً. انتصار التهدئة التي اعتمدناها نهجاً بدل إراقة الدماء”.

وليد جنبلاط : زعيم عاش التّاريخ وورث صراعاته

تتداخل في سيرة وليد جنبلاط سيَر أبيه وأجداده من بشير جنبلاط “الواسع النفوذ الذي أعدمه العثمانيّون في عكّا بتهمة التمرّد على السلطنة في عام 1825 خلال ما اشتُهر في التاريخ بحرب البشيرين، أو الصراع على السلطة بين زعامتين، الجنبلاطيّة والشهابيّة”، مروراً بجدّه فؤاد جنبلاط ووصولاً إلى أبيه كمال جنبلاط الذي “كان رجلاً لا يهادن، وإنساناً شريفاً لا يمكنه الدخول في ألاعيب خصومه السياسيّين الماكرة”، وسيَر كثيرة ربّما أبرزها سيرة رفيق الحريري: “أدهشني على الفور ما كان يتمتّع به هذا الرجل، الذي سيصبح رئيس وزراء بلدٍ يحتاج إلى إعادة إعمار بعد الحرب، من قوّة إقناعٍ وقدرة على المفاوضة. لم يكن مجرّد رجل أعمال، بل كان شخصاً يريد تغيير المعادلات القائمة، لا عائق يبدو أمامه مستحيلاً في ظلّ شبكة العلاقات الواسعة والنافذة التي يملكها في الأوساط الدوليّة”.

يكتب عنه أيضاً: “أنا مدينٌ بالكثير لرفيق الذي قدّم، مع المملكة العربيّة السعوديّة، الدعم لطائفة الموحّدين الدروز إبّان الغزو الإسرائيليّ وحرب الجبل”، و”نادراً ما كنتُ قريباً من شخصٍ ما قربي من رفيق الحريري”. رجل الولاءات المتعاقبة… قال عنّي غسّان تويني “إلّا أنّني، عندما أتعلّق بشخصٍ ما، أخلص له”.

تتداخل الصراعات في لبنان وخارجه فيها، من “صراع الأقلّيّات المتواصل عبر التاريخ فوق هذه الأراضي المتداخلة جغرافيّاً” إلى الصراع العربيّ الإسرائيليّ مروراً بالصراع الدرزيّ المارونيّ… لكنّه في كلّ هذا يدوّن الأحداث كما عاشها ورآها مسجّلاً موقفه منها دون أن يفتح صراعاً جديداً أو يصبّ الزيت على نيران لا تخمد في هذا الشرق، إذ تجنّب ما فعله والده في مذكّراته: “حاول أبي تدوين مذكّراته مع الصحافيّ فيليب لابوستيرل، وهي تأمّلاتٌ سياسيّةٌ وطائفيّة. لكن لو أتيحت له إعادة قراءتها، لحذف انتقاداته اللاذعة للمسيحيّين، والموارنة منهم على وجه الخصوص. ومع ذلك، نُشر الكتاب بعد رحيله وحقّق نجاحاً”.

يفكّر جنبلاط في المستقبل أكثر ممّا يفكّر في الماضي، أو ربّما فكّر في المستقبل وهو يكتب عن الماضي، ربّما تثبيتاً لزعامة من يخلفه، فالزعامة لا تنتقل بالعباءة فقط بل تحتاج إلى رواية أيضاً وقد قدّمها وليد جنبلاط

 

تجنّب جنبلاط في مذكّراته ما لم يتجنّبه والده، وجلّ ما يفعله أنّه يقدّم نصائح للمستقبل على هيئة قراءة لأحداث مضت سرعان ما يكتشف القارئ أنّها لم تمضِ بل هي أكثر راهنيّة ممّا كانت يوم وقعت من العلاقة بين إسرائيل ودروز فلسطين التي تُطرح مجدّداً اليوم مع دروز سوريا، إلى العلاقة مع الموارنة الشركاء في الجبل والوطن، وصولاً إلى العلاقة مع دمشق.

لا تبدو مذكّرات جنبلاط سيرة زعيم عاش التاريخ، بل سيرة زعيم ورث تاريخاً لم ينتهِ.

نساء كثيرات

في مذكّرات جنبلاط، تحضر المرأة بقوّة انعكاساً لحضورها في حياته وفي قصر المختارة، فالقصر لم يكن اللاعبون الرئيسيّون فيه رجالاً، ففي محطّات كثيرة لعبت فيه النساء أدواراً تاريخيّةً ساهمت في الحفاظ على بقاء الزعامة فيه من جدّته نظيرة جنبلاط بُعيد مقتل جدّه فؤاد، إلى والدته ميّ شكيب أرسلان التي “كانت أكثر حداثةً وعفويّة” من والده، وكانت “تعيش حياةً اجتماعيّة حافلة”، و”عملت على إقناع المتشدّدين من رفاق أبي المخلصين” بأهمّيّة مصالحة النظام السوريّ، ثمّ مربّيته الفرنسيّة إيفون نيودو، التي “يعود إليها الفضل في تربيتي، إذ كان دورها بالغ الأهميّة في مطلع صباي”، ثمّ زوجته نورا الشراباتي.

لهو وصخب وصرامة

في مذكّراته يذكر جنبلاط أحداثاً كثيرة من سيرته ربّما لا يعرفها كثيرون، ويرويها بجرأة وأريحيّة: “كنت أقود درّاجتي الناريّة الهوندا الضخمة، عائداً إلى منزلي في الحازميّة. وكنت أقود بجنون للأمانة”، و”في مطلع السبعينيّات، كانت زياراتي للمختارة نادرة”، وسبب رئيس وراء ذلك هو “التقشّف الشديد الذي اتّسم به منزلنا. كنتُ بحاجةٍ إلى بيروت والطاقة النابضة فيها، ففضّلتُ البقاء فيها مع أصدقائي وعيش حياة اللهو والصخب”، و”لم أكن الفتى المدلّل على الإطلاق. فوالدي كان صارماً جدّاً معي، وأرادني أن أتعلّم دروس الحياة كأترابي، بدون أيّ امتيازات”.

في مذكّراته، يفكّر جنبلاط في المستقبل أكثر ممّا يفكّر في الماضي، أو ربّما فكّر في المستقبل وهو يكتب عن الماضي، ربّما تثبيتاً لزعامة من يخلفه، فالزعامة لا تنتقل بالعباءة فقط بل تحتاج إلى رواية أيضاً وقد قدّمها وليد جنبلاط.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com