محمد خليل رضا : لهذه الأسباب نبحث عن أشلاء وما تبقى من جثث لبنانيين وأجانب من ضحايا الحرب الإسرائيلية المدمرة على لبنان

بقلم الدكتور محمد خليل رضا
عندما نبحث ونتعب وننقّب ونجمع، ونعثر وننتشل من بين الركام والردم وروائح الدم، ومن مسافات متنوعة، أشلاء جثث لضحايا الحرب، فإننا لا نبحث عن بقايا بشرية فقط، بل نبحث عن قصص حياة كاملة اختُزنت في تلك الأشلاء.
نبحث عن أشلاء رضّع وحديثي الولادة، وأطفال، وفتيان وفتيات، وشباب وشابات، ونساء، ونساء حوامل، ومرضى، ومعاقين، وكبار السن، وكل من كان موجودًا في تلك اللحظات.
نبحث عمّا تبقى من هذه العائلة أو تلك، بعدما تطايرت أشلاؤها في كل مكان، كما حدث في بلدة أنصار – قضاء النبطية في جنوب لبنان، وفي جغرافيا أخرى من لبنان، نتيجة الحرب والعدوان الإسرائيلي المدمر والمكثف والقاسي، وبوتيرة مختلفة كمًّا ونوعًا، في الزمان والمكان.
منذ 2 آذار (مارس) عام 2026 ولتاريخه، وقبل هذا التاريخ أيضًا، نحن نجمع وننتشل ونلملم ونبحث، وبشق الأنفس، عن صدى ولمسات وبصمات وصراخ وأنين واستغاثات لأرواح بريئة وطاهرة ومظلومة ومحتسبة.
أرواح كانت مفعمة بالحركة والإيمان والنشاط والحيوية والاستمرارية، وبحب المواطنة والتعلق بالأرض؛ أرض الآباء والأجداد، وأرض المعمّرين وكبار القوم، وكل من عاش عليها.
بعض هؤلاء الضحايا كانوا يلهون ويلعبون، وخصوصًا الأطفال، وبعضهم كان يسبح في مسابح هذا المنتجع السياحي أو ذاك، سواء داخل بلدة أنصار أو في مناطق أخرى من لبنان.
أما باقي الشرائح العمرية الأخرى، والأكبر سنًّا، فكانوا يمارسون، وكالمعتاد، نشاطهم اليومي والروتيني في:
البيوت والمنازل.
المعامل.
المدارس مع أبنائهم الطلبة.
تحضير الطعام.
تنظيف المنازل.
رعي المواشي.
تربية الدواجن والطيور بمختلف أنواعها وأشكالها وتسمياتها.
قطف المحاصيل من الثمار والخضار والفواكه.
الاعتناء بالأرض من فلاحة وتسميد وريّ للمزروعات والشتول والبيوت البلاستيكية الزراعية.
ولكن بعد ذلك ذبلت الشتول والأشجار والمزروعات والبذور، وتغير لون وشكل وقوام بعض أنواع الفواكه والخضار، ونفق العديد من المواشي والدواجن والطيور والخيول وغيرها بسبب قلة المياه.
فمات قسم كبير منها عطشًا، ونفق القسم الآخر بسبب القذائف والطائرات المسيّرة وروائح الموت، وكأن إسرائيل مرّت من هنا.
نحن عندما نجمع ونعثر ونبحث عن هذه الأشلاء البشرية الطاهرة والمظلومة والمغدورة والمحتسبة، فإننا لا نقوم فقط بجمع بقايا جسدية، بل نقوم بمهمة إنسانية وقانونية وطبية شرعية بالغة الأهمية.
فإضافة إلى أخذ عينات من هذه الأشلاء لتحديد هويتها، نقوم بفحص الحمض النووي (DNA) والتعرف إلى أصحابها.
لأن تعريف الجثة في لغة الطب الشرعي يعتمد على دراسة:
CRÂNE + POST CRÂNE
أي:
الجمجمة (الرأس والوجه).
وباقي أقسام الجثة.إننا بذلك نقوم بعمل جبار ومهم جدًا، عمل إنساني وقانوني وطبي شرعي بامتياز، لنستذكر عظمة الخالق في خلقه، إضافة إلى براعة الأطباء والباحثين والعلماء والأكاديميين، كلٌّ في مختبره ومكتبه وجامعته ومركزه، وباستخدام ميكروسكوباته وأقلامه وأوراقه وأبحاثه.
هؤلاء العلماء عرّفونا وعلّمونا، كما علّموا أجيالًا كثيرة من قبلنا وفي جميع دول العالم وقاراته، أن جسم الإنسان يحمل أسرارًا عظيمة تدل على دقة الخلق وروعة التكوين.
فقد أثبتت الدراسات العلمية أن:
جسم الإنسان يحتوي على أعداد هائلة من الخلايا، ويتراوح العدد الإجمالي تقريبًا بين 30 و40 تريليون خلية، وذلك بحسب حجم الإنسان وعمره.
يوجد في جسم الإنسان أكثر من 200 نوع من الخلايا، لكل منها وظائفها الخاصة.
كريات الدم الحمراء (Les globules rouges) هي الأكثر وفرة في جسم الإنسان، وتشكل النسبة الأكبر من خلاياه.
يحتوي دماغ الإنسان على نحو 86 مليار خلية عصبية.
تتجدد ملايين الخلايا في جسم الإنسان كل ثانية لتعويض الخلايا التالفة أو الميتة.
الجلد هو أكبر عضو في جسم الإنسان، وتبلغ مساحته تقريبًا بين 1.5 و2 متر مربع، أي ما يعادل تقريبًا بطانية كبيرة أو طاولة طعام متوسطة.
يتراوح وزن جلد الإنسان بين 3 و5 كيلوغرامات، ويشكّل نحو 16% من إجمالي وزن الجسم.
ويتكون الجلد من ثلاث طبقات رئيسية:
البشرة الخارجية.
الأدمة، وتحتوي على الأوعية الدموية والأعصاب.
الطبقة تحت الجلدية.
كما أن خلايا الجلد تتجدد باستمرار، وتستغرق الخلية حوالي 28 يومًا لتمر بدورة حياتها، ويفقد الإنسان آلاف الخلايا الجلدية كل دقيقة.
أما الجهاز التنفسي، فقد أوضح العلماء والباحثون والأطباء والأكاديميون، مع الإيمان بأن:
﴿وفوق كل ذي علم عليم﴾
صدق الله العظيم.
أن الجهاز التنفسي البشري يحتوي على مليارات الخلايا المتنوعة، وأن الرئتين والمجاري الهوائية تضمان ما يقارب 100 إلى 150 مليار خلية تؤدي وظائف التنفس وتبادل الغازات:
الأوكسجين (O₂) وثاني أوكسيد الكربون (CO₂).
كما تشير الدراسات إلى أن الوحدة الفيزيولوجية والوظيفية والبيولوجية في الرئة هي:
الحويصلة الهوائية (Alvéole).
ويبلغ عدد الحويصلات الهوائية في الرئتين اليمنى واليسرى ما يقارب 300 إلى 500 مليون حويصلة.
وتبطن هذه الحويصلات الهوائية نوعان رئيسيان من الخلايا:
أولًا: الخلايا من النوع الأول (Type 1)
وهي خلايا مسطحة ورقيقة جدًا، تشكل حوالي 95% من سطح الحويصلة الهوائية، وهي المسؤولة عن تبادل الغازات بين الهواء والدم، أي الأوكسجين وثاني أوكسيد الكربون.
ثانيًا: الخلايا من النوع الثاني (Type 2)
وهي خلايا تفرز مادة السورفاكتانت (Surfactant)، وهي مادة فعالة سطحيًا، تعمل على منع انكماش الحويصلات الهوائية أثناء الزفير، وبالتالي تسهّل عملية التنفس.
وتُستخدم مادة السورفاكتانت كدواء لإنقاذ الأطفال الخدّج الذين يعانون من مشاكل تنفسية.
إن هذه الأشلاء البشرية المتناثرة في أكثر من جغرافيا في لبنان ليست مجرد “قطع لحم عادية”، بل هي كتل وأحجام تحمل ذكريات الماضي والحاضر، وطموحات المستقبل.
فهذه الأشلاء، رغم اختلاف أحجامها، هي بمثابة “صندوق أسود مجهري” لجسم الإنسان، تختزن بداخله أسرارًا وذكريات:
الطفولة، والدراسة، والحي، والقرية، والعمل، والطموح، والحنين، والمحبة، وبرّ الوالدين، والإيمان وتطبيقاته على مختلف الصعد، وصلة الرحم، وإغاثة الملهوف.
لقد كانت هذه الأجساد، قبل تناثرها جراء الغارات الإسرائيلية على مناطق عدة في لبنان، تتفاعل مع محيطها، وتعشق الأرض التي مشت وتربّت وترعرعت عليها.
فهي لا تُقاس فقط بالأحجام أو الغرامات، بل بما تعكسه من بصمات ومعجزات وعظمة وإبداع الخالق في تكوين خلاياها، وفي علوم الأنسجة، وعلم الأجنة (Embryologie)، وعلم التشريح، وعلم وظائف الأعضاء، والبيولوجيا، والعلوم الطبية كافة.
ويضاف إلى ذلك، للأمانة العلمية، جهود وبصمات ولمسات العلماء والأطباء والباحثين في مختبراتهم ومكاتبهم وجامعاتهم ومدارسهم العلمية في جميع دول العالم.
وتستحضرني في هذا المقام الآية الكريمة:
﴿لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم﴾
صدق الله العظيم.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com