«حرب الاستنزاف مع إيران… السويس الأميركية ونهاية الهيمنة الأحادية»
البناء: حسن حردان
هل تسهم حرب الاستنزاف مع إيران في تسريع وضع نهاية للهيمنة الأحادية الأميركية، على غرار حرب السويس التي أنهت الهيمنة البريطانية الفرنسية.
هذا السؤال طرح بإلحاح في الفترة الأخيرة على ضوء استمرار فشل الحرب الأميركية في تغيير نظام الحكم في إيران، ومن ثم العجز عن إخضاعها للشروط الأميركية، وتحوّل الحرب الى حرب استنزاف مكلفة.. وازداد طرح السؤال بعد كلام الإعلامي الأميركي الشهير تاكر كارلسون عن الوضع المالي الصعب الذي تواجهه الولايات المتحدة الأميركية قائلاً لقناة روسيا اليوم:
“إنّ الولايات المتحدة باتت أمة مثقلة بالديون لأنها تدين بأكثر مما تملك، مشيراً إلى أنّ أزمة الديون لا تقتصر على الحكومة، بل تمتدّ أيضاً إلى المواطنين الأميركيين”.
الأرقام تؤكد تجاوز الدين العام الأميركي حاجز الـ 40 تريليون دولار، وهو رقم غير مسبوق في التاريخ البشري، ويتزايد بوتيرة متسارعة نتيجة العجز المستمر في الموازنة العامة والإنفاق الحكومي الذي يتجاوز الإيرادات! في حين أنّ هذا بات يتخطى حجم الناتج القومي.
لهذا يبدو انّ حرب الاستنزاف، أو المواجهة المفتوحة مع إيران تشبه “أزمة السويس عام 1956″، لأنّ أزمة السويس لم تكن مجرد معركة عسكرية إقليمية، بل كانت “لحظة الحقيقة” التي كشفت بوضوح عن عجز الإمبراطوريات القديمة (بريطانيا وفرنسا) عن فرض إرادتها بقوة السلاح دون غطاء مالي واقتصادي دولي، وأعلنت بوضوح انتقال مركز القيادة العالمية إلى واشنطن وموسكو.
وعند إسقاط هذا النموذج على الوضع الأميركي الحالي ومعضلة الديون التي أشار إليها كارلسون، يمكن تحليل كيف تسهم مواجهة أو حرب استنزاف كبرى مع إيران في تسريع نهاية الهيمنة الأميركية الأحادية من خلال عدة مسارات مترابطة:
*أولاً: وجوه الشبه مع “أزمة السويس” (لماذا قد تكون نقطة تحول؟)
1 ـ الوهم الإمبراطورى واصطدام الواقع بالقدرات:
في السويس، انطلقت بريطانيا وفرنسا لفرض سيطرتهما العسكرية متجاهلتين التحوّلات في موازين القوى الدولية والوضع المالي المتردي لبريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية.
اليوم، تقف الولايات المتحدة أمام مأزق مشابه؛ فرغم قوتها العسكرية الساحقة، فإنّ خوض حرب استنزاف إقليمية واسعة النطاق في الشرق الأوسط (في ظلّ ديون تفوق 40 تريليون دولار) يُعدّ مغامرة تفوق الطاقات الكلاسيكية للاستدامة المالية، وتكشف الفجوة الهائلة بين الطموح الإمبراطوري والقدرة الفعلية.
2 ـ الضغط المالي والاقتصادي كقشة قاصمة:
في عام 1956، وجهت الولايات المتحدة (عبر صندوق النقد الدولي والضغط المالي) ضربة قاضية لبريطانيا هدّدت فيها بإفلاس الجنيه الإسترليني إذا لم تنسحب من مصر، مما أجبر لندن على الرضوخ الفوري.
اليوم، ليس هناك قوة خارجية أكبر لتعاقب واشنطن مالياً، بل إنّ واشنطن هي التي قد تعاقب نفسها بنفسها؛ فتمويل حرب استنزاف ضدّ إيران وحلفائها يعني طباعة مئات مليارات الدولارات الإضافية، مما يعمّق أزمة التضخم، ويفاقم خدمة الديون، ويضعف استقرار العملة الأميركية ذاتها.
3 ـ فقدان الغطاء الدولي والإقليمي:
أزمة السويس عزلت بريطانيا وفرنسا دولياً وأظهرتهما بمظهر القوى الاستعمارية المتهافتة. وبالمثل، فإنّ الانخراط في حرب استنزاف جديدة بمنطقة غرب آسيا يفاقم عزلة السياسة الأميركية عالمياً، ويدفع دول الجنوب العالمي وقوى كبرى مثل الصين وروسيا للاستثمار في إضعاف ورقة “الغطاء الدبلوماسي والمؤسّسي” الأميركي.
*ثانياً: الآليات التي تسرّع بها حرب الاستنزاف مع إيران نهاية الهيمنة الأحادية،
1 ـ النزيف المالي المباشر وغير المباشر: إيران لا تُعدّ دولة عادية في معادلات الشرق الأوسط؛ فهي تمتلك شبكة تحالفات إقليمية واسعة (محور المقاومة)، وقدرات متطورة في الصواريخ والطائرات المُسيّرة وحرب الأبعاد السيبرانية والبحرية.
حرب الاستنزاف ضدّها تعني استخدام منظومات دفاع جوي وصواريخ اعتراضية أميركية باهظة التكلفة (مثل صواريخ باتريوت وثاد وغيرها) لتدمير مُسيّرات وصواريخ رخيصة نسبياً، وهو ما يمثل مجزرة اقتصادية للخزينة الأميركية (تكلفة الاعتراض تفضع أضعاف تكلفة الهجوم).
هذا النزيف اليومي يلتهم الموارد المخصصة لتحديث البنية التحتية والتنافس الاستراتيجي الأكبر مع الصين في آسيا ـ الباسيفيك.
2 ـ زعزعة أمن الطاقة العالمي وارتفاع التضخم: أيّ صراع استنزاف واسع في منطقة الخليج ومضيق هرمز ينعكس فوراً على إمدادات الطاقة العالمية وأسعار النفط.
ـ ارتفاع أسعار الطاقة يوجه ضربة قاصمة للاقتصاد العالمي وللمواطن الأميركي الذي يعاني أصلاً من أزمة غلاء المعيشة، مما يؤجج الاضطرابات الاجتماعية والسياسية الداخلية في الولايات المتحدة ويضعف الإدارة الحاكمة مهما كانت هويتها.
3 ـ تشتيت التركيز الاستراتيجي الكبير The Strategic Trap … لطالما دعت دوائر التفكير الاستراتيجي في واشنطن إلى التفرّغ للمنافسة الكبرى مع الصين باعتبارها التهديد الوجودي الأوحد لهيمنة واشنطن. إنّ الانجرار إلى حرب استنزاف في الشرق الأوسط يمثل “فخاً استراتيجياً” يشتّت الجهود، ويستنزف القدرات العسكرية والذخائر الاستراتيجية التي تحتاجها واشنطن في ساحات أخرى، مما يمنح بكين وموسكو وقتاً ومساحة أكبر لتثبيت أقدامهما في النظام العالمي الجديد.
4 ـ تسريع التحلّل من الهيمنة الدولارية: الحروب والعقوبات هي الأسباب الرئيسية التي تدفع دول العالم للبحث عن بدائل للدولار. فحين تُستخدم الهيمنة المالية الأميركية كأداة حرب مستمرة، تسارع الدول (خصوصاً الكبرى والناشئة) إلى بناء أنظمة دفع موازية (مثل نظام بريكس المالي) لتفادي التعرّض للابتزاز الأميركي، وهو ما يضرب قلب الهيمنة الأحادية المتمثل في “امتياز سك العملة العالمية”.
انطلاقاً مما تقدّم يمكن القول: إذا كانت أزمة السويس هي “شهادة وفاة” الدور الإمبراطوري البريطاني المباشر، فإنّ حرب الاستنزاف مع إيران ـ أو أيّ صراع إقليمي طويل ومكلف مماثل ـ قد تمثل “الطلقة الأخيرة في قدم” الهيمنة الأحادية الأميركية.
فهي تضع واشنطن أمام خيارين أحلاهما مرّ:
إما الاستمرار في حرب استنزاف تلتهم ما تبقى من ملاءتها المالية وتسرّع إفلاسها الهيكلي.
أو الانسحاب والتراجع، وهو ما يعني اعترافاً علنياً بفقدان القدرة على حماية الحلفاء وفرض الشروط، وبالتالي إسدال الستار رسمياً على حقبة “الشرطي الأوحد” للعالم والانتقال الحتمي إلى عالم متعدد الأقطاب…
