بقلم رئيس التحرير – مبارك بيضون

في المشهد اللبناني المتصل بالتطورات الأمنية والسياسية في الجنوب، تبدو زيارة السفير الأميركي في لبنان إلى عين التينة وما رافقها من مواقف وتصريحات محطة تتجاوز حدود اللقاء البروتوكولي، لتلامس جوهر المرحلة المقبلة: السلاح، والاعتداءات الإسرائيلية، ودور الدولة اللبنانية، ومصير المواقع العسكرية الواقعة شمال الليطاني، وفي مقدمتها تلة الطاهر.

ما قاله السفير الأميركي بعد خروجه من مقر الرئاسة الثانية في عين التينة، ولا سيما حديثه عن ضرورة أن يقوم حزب الله بتسليم سلاحه، وأن «كل شيء بعده ممكن»، يحمل رسالة سياسية واضحة في الشكل والمضمون. فواشنطن، وفق هذه المقاربة، لا تفصل بين مستقبل الاستقرار في لبنان وبين ملف السلاح، فيما يبقى السؤال الأساسي: هل يبدأ الاستقرار من الداخل اللبناني، أم من وقف الاعتداءات الإسرائيلية والانسحاب إلى الحدود الدولية؟

هنا تحديداً يبرز موقف الرئيس نبيه بري، الذي يضع المعادلة في اتجاه مختلف. فبحسب ما نُقل عن أجواء اللقاء، فإن بري أكد أن مفتاح الاستقرار لا يزال بيد إسرائيل، وأن المدخل الطبيعي لأي تهدئة حقيقية يبدأ بوقف الحرب والاعتداءات والانسحاب إلى الحدود الدولية.

وبذلك تبدو المعادلة أمام مسارين متوازيين: واشنطن تركز على مسألة السلاح، فيما عين التينة تركز على الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية باعتبارهما أساس المشكلة ومفتاح الحل.

تلة الطاهر… أكثر من موقع عسكري

تلة الطاهر… أكثر من موقع عسكري
تلة الطاهر… أكثر من موقع عسكري

في هذا السياق، يكتسب ملف تلة الطاهر أهمية استثنائية.

فتلة الطاهر تقع في منطقة شمال الليطاني، وتُعد من المواقع التي ينظر إليها حزب الله باعتبارها جزءاً من منظومته الدفاعية في تلك المنطقة. وهي ليست، وفق المعادلة التي تشكلت بعد تفاهمات جنوب الليطاني، ضمن المنطقة التي جرى فيها جمع السلاح وتفكيك المنشآت العسكرية على النحو الذي حصل جنوب النهر.

ولهذا السبب تحديداً، فإن التعامل مع تلة الطاهر لا يمكن فصله عن مفهوم خط الدفاع الأول في شمال الليطاني.

وتزداد أهمية الموقع بالنسبة إلى إسرائيل بسبب ما يُقال عن طبيعة المنشأة الموجودة فيه، وما تتضمنه من ممرات وتفرعات ومنشآت ممتدة إلى داخل الأرض وعلى أعماق غير معروفة بصورة دقيقة. وهذه النقطة تحديداً تجعل الموقع تحت المجهر الإسرائيلي، إذ لا تقتصر الهواجس على وجود السلاح بحد ذاته، بل تمتد إلى طبيعة البنية التحتية الموجودة في داخله، وما يمكن أن تحتويه من معدات وعتاد وقوى بشرية.

ومن هنا يمكن فهم سبب بروز الحديث عن عملية عسكرية إسرائيلية محتملة ضد التلة، في مقابل مساعٍ دبلوماسية لمنع تحولها إلى نقطة اشتعال واسعة.

لماذا تخشى واشنطن انفجار تلة الطاهر؟

لماذا تخشى واشنطن انفجار تلة الطاهر؟
لماذا تخشى واشنطن انفجار تلة الطاهر؟

المشكلة بالنسبة إلى واشنطن لا تبدو محصورة في الموقع نفسه. فأي عملية إسرائيلية كبيرة في تلة الطاهر قد تفتح الباب أمام سلسلة من التداعيات الميدانية والسياسية، وتضع مسار المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية أمام اختبار بالغ الصعوبة.

ولهذا تبرز في الاتصالات فكرة إيجاد مخرج دبلوماسي للملف، ومن بين الأفكار المتداولة إمكان تسلّم الجيش اللبناني الموقع، بما يسمح بتجنب ضربة إسرائيلية واسعة ويمنح الدولة اللبنانية دوراً مباشراً في إدارة إحدى أكثر النقاط حساسية.

لكن هذا الطرح يصطدم بسؤال آخر: هل يقبل حزب الله بالتخلي عن موقع يعتبره جزءاً من منظومته الدفاعية شمال الليطاني؟

وبحسب المعطيات المتداولة، لم يقدم الحزب حتى الآن جواباً نهائياً على الخيارات المطروحة، ما يعني أن الملف لا يزال مفتوحاً على احتمالات متعددة.

بين السلاح والعدوان… أين يبدأ الحل؟

بين السلاح والعدوان… أين يبدأ الحل؟
بين السلاح والعدوان… أين يبدأ الحل؟

المفارقة الأساسية في المشهد الحالي أن الولايات المتحدة تبدو وكأنها تدفع باتجاه معالجة ملف السلاح كمدخل للاستقرار، بينما يرى الرئيس بري أن الاستقرار لا يمكن أن يتحقق في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية.

وهذا التباين لا يعني بالضرورة سقوط المسار الدبلوماسي، بل ربما يفسر سبب استمرار الاتصالات ومحاولة إيجاد مخارج للملفات الأكثر حساسية.

فالجيش اللبناني حاضر في المقترحات المطروحة، وآلية المراقبة يجري البحث في تشكيلها، والمفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية لم تُقفل، وإن لم يُحدد بعد موعد الجولة المقبلة. وفي المقابل، تستمر الاعتداءات الإسرائيلية، ويبقى ملف المواقع العسكرية شمال الليطاني، وفي مقدمتها تلة الطاهر، مفتوحاً على احتمالات التصعيد.

المرحلة الأصعب

ما يجري إذاً ليس مجرد خلاف في وجهات النظر حول السلاح، بل هو صراع على تعريف نقطة البداية للحل
ما يجري إذاً ليس مجرد خلاف في وجهات النظر حول السلاح، بل هو صراع على تعريف نقطة البداية للحل

ما يجري إذاً ليس مجرد خلاف في وجهات النظر حول السلاح، بل هو صراع على تعريف نقطة البداية للحل.

واشنطن تقول، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إن ملف السلاح يجب أن يكون في صلب المعالجة.

عين التينة تقول إن لا استقرار حقيقياً من دون وقف الاعتداءات الإسرائيلية والانسحاب.

إسرائيل تنظر إلى تلة الطاهر وغيرها من المواقع شمال الليطاني باعتبارها مصدر تهديد وهواجس أمنية.

أما حزب الله، فيتعامل مع هذه المواقع ضمن منظومة دفاعية لا تتطابق بالضرورة مع الحدود التي جرى اعتمادها جنوب الليطاني.

وبين هذه الحسابات المتعارضة، يبقى لبنان أمام مرحلة دقيقة: مسار دبلوماسي يحاول احتواء التصعيد، وضغط أميركي بشأن السلاح، وتهديد إسرائيلي مستمر، ومواقع عسكرية حساسة يمكن أن تتحول في أي لحظة إلى شرارة مواجهة أكبر.

وعليه، فإن تلة الطاهر ليست مجرد نقطة جغرافية على خريطة الجنوب و شمال الليطاني، بل باتت عنواناً لاختبار أوسع: هل تنجح الدبلوماسية في إنتاج صيغة تحفظ الاستقرار وتمنع الحرب، أم أن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية والتمسك بالمواقع العسكرية سيعيد فتح الباب أمام مواجهة جديدة؟

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com